يعكس المرسوم الاتحادي الذي أصدره، مؤخراً، صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله بشأن إنشاء "المركز الوطني للإحصاء"، الموقع المتقدّم الذي تحظى به عملية بناء نظام وطني إحصائي حديث وتطويره في استراتيجية التنمية الشاملة للدولة، والجدية الكبيرة في التحرّك من أجل تحويل الخطط والاستراتيجيات والتوجّهات في هذا الشأن إلى واقع عمليّ ملموس على أرض الواقع. والمؤكّد في هذا السياق أن "المركز الوطني للإحصاء" يستجيب لدعوات كانت تطالب خلال الفترة الماضية، بضرورة التنسيق بين الجهات والمؤسسات المختلفة المعنيّة بالعمل الإحصائي؛ لأن تضارب الإحصاءات والبيانات لم يكن يشكّل عقبة أمام وضع استراتيجيات وخطط دقيقة وحسب، بل إنه كان سبباً أيضاً في افتقار الصدقية عن البيانات الإحصائية الصادرة عن بعض الجهات. المهام الموكولة إلى "المركز الوطني للإحصاء" ستغطّي القصور في مجال الإحصاء المركزي بالدولة، حيث سيكون الجهة المنوط بها متابعة النظام الإحصائي وتطويره، وتنظيم جميع مكوّنات العمل الإحصائي، كالبيانات الإحصائية واستخدامها، كما سيقترح المركز الخطة الاستراتيجية للعمل الإحصائي في الدولة بالتنسيق مع الجهات الحكومية والمراكز الإحصائية المحلية، وتطبيق المعايير الدولية في جميع مجالات العمل الإحصائي وتنسيق برامج العمل الإحصائي على مستوى الدولة بالتعاون مع الجهات الحكومية ومراكز الإحصاء المحلية ودراستها وإقرارها وجمع البيانات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية والزراعية والبيئية والطاقة وتصنيفها وتخزينها وتحليلها بالتعاون مع الجهات الحكومية ومراكز الإحصاء المحلية. ولعلّ من أهم مميزات "المركز الوطني للإحصاء" أنه سوف يختصّ بإنشاء قواعد بيانات إحصائية وطنية تشمل جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسكانية والبيئية والطاقة وغيرها، وإجراء التعدادات والمسوح الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وإعداد البيانات والمعلومات والمؤشرات الإحصائية وتوفيرها ونشرها في مختلف وسائل النشر، وإعداد الإحصاءات القومية وإصدارها، وتوحيد المعايير المستخدمة في العمل الإحصائي في الدولة وتعريفاتها ومنهجياتها وتصنيفاتها. وهذا لا شك سيكون له دوره الإيجابي في التخطيط الجيد من جانب الهيئات والجهات الحكومية، كلّ في مجاله، فكما هو معروف فإن البيانات الإحصائية الدقيقة هي المدخل الرئيسي لوضع سياسات وخطط سليمة في المجالات المختلفة. كما أن وجود هيئة موحّدة لتوفير البيانات الإحصائية لقطاعات المجتمع كافة في الدولة، التي سيقوم بها "المركز الوطني للإحصاء"، سيقضي على التضارب في المعلومات، التي كانت سبباً رئيسياً في ابتعاد نتائج كثير من الدراسات والأبحاث عن الواقع، وغير قادرة على معالجة نقاط الضعف التنموية. ناهيك عن أنه سيحول دون استغلال بعض الجهات أو الشركات حالة نقص البيانات الإحصائية أو تضاربها في إصدار تقارير مغلوطة أو غير مطابقة للواقع، تحقّق مصالحها في الأساس. والمثال الدالّ على ذلك هنا هو التقارير المتضاربة حول القطاع العقاري، التي أعدّتها دوائر تابعة لشركات محلية أو عالمية في الآونة الأخيرة، فهذه التقارير لم تستند إلى معطيات وإحصاءات رسمية، وكانت تهدف في الأساس إلى تحقيق مصالح ذاتية للشركات، عبر التأثير في السوق سلباً أو إيجاباً بغرض الاستفادة منه، ولذا كانت هذه التقارير تتغيّر خلال فترة زمنية قصيرة رغم أن الجهة التي تعدّها واحدة، أما الأبرز في هذه التقارير فتمثّل في الفوارق الشاسعة بأرقامها وتوقعاتها. "المركز الوطني للإحصاء" والمهام الموكولة إليه، لا شك سيمثّلان خطوة مهمة نحو تحقيق متطلّبات العمل الإحصائي والارتقاء به في الدولة، وهذا لا شك سيكون له أثره الإيجابي في إنجاز مبادرات الحكومة الاتحادية، كما سيسهمان بلا شك في دعم صنع القرار، فضلا عن الإسهام في جذب الاستثمارات من خلال توفير بنية تحتية معلوماتيّة اتحادية عن السوق المحلي ومقوّماته. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.