للمرة الثانية تثير المؤتمرات التي تنعقد تحت عنوان حوار الأديان جدلا واسعاً حول التطبيع العربي مع إسرائيل، وحول موقع مؤسسة دينية بهامة الأزهر الشريف -من خلال مشاركة الرجل الأول فيها- في عملية التطبيع هذه. في المرة السابقة -وقد كتبت في هذه الصفحة عنها- صافح شيخ الأزهر الرئيس الإسرائيلي بيريز في سياق مؤتمر حوار الأديان الذي عقد في نوفمبر الماضي في مدينة نيويورك. وساعتها دافع الشيخ عن نفسه بأنه "لم يكن يعرفه"، وأنه "صافحه ضمن آخرين لم يكن يعرفهم"، ثم عاد ليقول ما يفيد عدم جدوى رفض المصافحة، وأن الرئيس المصري يصافح الرئيس الإسرائيلي ويستضيفه، فما الضير في أن يأتي هو بالفعل نفسه؟ في هذه المرة في سياق المؤتمر الذي يفترض أنه انعقد للسبب نفسه (حوار الأديان) في مدينة أستانا بجمهورية كازاخستان يومي 1 و2 من الشهر الجاري كان واضحاً أن شيخ الأزهر قد وعى النقد الذي وجه للمصافحة جيداً، فلم ينقل عنه أنه صافح الرئيس الإسرائيلي، غير أن الصور أوضحت أن المضمون لم يختلف، فقد أظهرت الشيخ يجلس على منصة واحدة مع بيريز يفصل بينهما رئيس للجلسة أو ربما مشارك ثالث، وهذا يعني أن رمزاً دينياً إسلامياً بأهمية شيخ الأزهر يتحاور مع أعلى رمز سياسي لإسرائيل ولو من الناحية البروتوكولية، وهذا يطرح مجدداً المفهوم الذي ينبغي أن يكون لحوار الأديان. قلت مع غيري مراراً إن حوار الأديان يكون بين علمائها، وليس بين أصحاب المناصب السياسية في الدول التي تدين شعوبها بديانات مختلفة، فعلى أي أساس يفتي هؤلاء في شؤون الدين؟ فليس بيريز حاخاماً حتى يتحدث بلسان المتفقه في أمور الدين اليهودي، وجسور الوصل بينه وبين الديانات الأخرى، وليس شيخ الأزهر مفاوضاً سياسياً حتى يجلس مع بيريز على منصة واحدة. ومن هنا فإننا إزاء حالة أشبه بحوار "الطرشان"، وهي حالة سياسية بامتياز، وليست دينية بأي معيار من المعايير. ولعله ليس مصادفة أن يحمل المؤتمر هذا العنوان الغريب "مؤتمر زعماء الأديان العالمية والتقليدية"، فكلمة زعماء يمكن أن تتسع لتشمل وجود مسؤولين سياسيين، وإن كان هذا لا يلغي أن حضورهم هذا المؤتمر يبقى بلا أساس طالما أن المفترض أنه مؤتمر لحوار الأديان، ولعل هذا أيضاً يفسر ما ورد بكلمة وزير الأوقاف المصري أمام المؤتمر من مطالبة "زعماء الأديان السماوية" بأن يتحملوا مسؤوليتهم الضخمة في مواجهة الأخطار المشتركة التي تهدد العالم كله، ومنها أسلحة الدمار الشامل. ومن البديهي أن شيخ الأزهر وقساوسة الكنائس المسيحية وحاخامات اليهود ليسوا هم المعنيون أساساً بمواجهة مخاطر أسلحة الدمار الشامل، وإنما "زعماء الأديان السماوية" بالتفسير السياسي للمصطلح. ولأن وفداً قد انسحب من قاعة المؤتمر أثناء إلقاء الرئيس الإسرائيلي كلمته فإن سؤالا قد وجه لشيخ الأزهر ووزير الأوقاف المصري عن السبب في عدم الاقتداء بهذا السلوك فجاء الرد المعتاد وهو أن الساحة يجب ألا تخلى لإسرائيل، وهو رد مقنع طالما أننا مقتنعون من الآن بأن المؤتمر سياسي وليس دينياً، فهل تمت مواجهة إسرائيل في ساحة مؤتمر "زعماء الأديان" في كازاخستان؟ لنلقي أولا نظرة على ما قاله بيريز في كلمته. تحدث بيريز في البداية عن أن "عالم العدالة والأخوة والسلام" هو مثال يجب أن يحتذيه العالم أجمع، وذكر بأسى أن أجزاءً من هذا العالم قد نسيت فيما يبدو أن الإله يجمعنا جميعاً، فهناك "قلة ممن يقدسون إلهاً آخر يسمح بارتكاب المجازر... ويدعو من آمنوا به إلى الهدم والقتل والكذب والتدمير". ويواصل حديثه مستدعياً الوصية السادسة من "وصايانا العشر" التي "تعبر عن الهدف الأكبر لكفاح الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، ألا وهو لا تقتل". ثم يأخذ بيريز بعد ذلك في كشف الطابع السياسي الصريح لكلمته فيقول "إن زيارة البابا لإسرائيل قد صادفت انتهاء علمائنا من تطوير نوع جديد من القمح له أربعة رؤوس بدلا من رأس واحد، وإننا نسمي هذه العملية تخصيب القمح بدلا من تخصيب اليورانيوم". ثم يؤكد ذلك الطابع السياسي الصريح بحديث عن "التغيير الكبير الذي طرأ على موقف معظم الدول العربية إزاء السلام مع إسرائيل، والمتمثل في التحول من لاءات الخرطوم الثلاث (لا تفاوض -لا اعتراف -لا صلح مع إسرائيل) إلى المبادرة العربية (التي تعرض التطبيع الشامل مع إسرائيل حال استجابتها للمطالب العربية وفقاً للمبادرة). ولو كان منطق عدم إخلاء الساحة لإسرائيل يسود حقاً لكان من الواجب أن نسمع من شيخ الأزهر أو غيره كلاماً صريحاً وقوياً للرد على هذه التمثيلية السخيفة، فأين إسرائيل من عالم "العدالة والأخوة والسلام" الذي بشر به بيريز ودولته تأخذ شعباً بأكمله بجريرة قادته، فتحكم حصاراً خانقاً حول أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني يكتظ بهم قطاع غزة (من المؤكد أن نسبة يعتد بها منهم لا تنتمي لتنظيم "حماس") كعقاب لاستمرار ولاية "حماس" على هذا القطاع؟ وهذا إن تغاضينا عن الجرائم المستمرة بحق الشعب الفلسطيني منذ النشأة الأولى لإسرائيل في1948 أي قبل ظهور "حماس" بعشرات السنين. ومن ناحية أخرى تحدث بيريز بدم بارد عن أولئك الذين يقدسون إلهاً "يسمح بارتكاب المجازر، ويدعو من آمنوا به إلى الهدم والقتل والكذب والتدمير"، وكأن يديه ليستا ملطختين بدماء آلاف الفلسطينيين والعرب الذين راحوا ضحية مجازر إسرائيل، ومن أشهرها مجزرة قانا التي لعب فيها بيريز دور البطل الرئيسي الذي لم يلتفت مرة واحدة إلى تعاليم الوصية السادسة: "لا تقتل". ويتحدث بيريز بعد ذلك عن القمح "ذي الأربعة رؤوس"، وهو ما يسميه بتخصيب القمح بدلا من تخصيب اليورانيوم، في تلميح واضح لما تفعله إيران، وكأن إسرائيل دولة مسالمة تخشى تهديداً نووياً من جيرانها وليس العكس، وكأنه ليس هو مخطط المشروع النووي في إسرائيل منذ خمسينيات القرن الماضي. وأخيراً وليس آخراً يشير بيريز بحق إلى التحولات التي طرأت على مواقف معظم الدول العربية، فنقلت هذه الدول من اللاءات الثلاث إلى قبول التطبيع من حيث المبدأ مع إسرائيل بموجب مبادرة بيروت2002، دون أن يشير إلى أن إسرائيل لم تكشف عن تغيير ولو جزئي في سياساتها في مقابل هذه التغييرات العربية الجذرية، ثم يصر على تحقيق التطبيع قبل تقديم التنازلات. أين كانت هذه الردود إذن -وهي غيض من فيض- لو كان الغرض من حضور هذه المنتديات هو عدم ترك الساحة لإسرائيل؟ يكاد المرء يثق أن الغرض الأساسي من عقد هذه المؤتمرات بتلك التسميات الغريبة والحضور الذي لا يعكس جوهر حوار الأديان هو تنفيذ المخطط الإسرائيلي للتطبيع مع العرب قبل تقديم أي تنازل لهم، وإلا فأين نتائج المؤتمر في مقابل هذا التركيز الإعلامي الضخم على حضور الرئيس الإسرائيلي له؟ ومن الذي منحه يا ترى لقب ضيف شرف المؤتمر؟ وللأسف فإن التطبيع يتم بالفعل في مثل هذه المؤتمرات وفي مناسبات أخرى شبيهة، دون أن يلتفت الحضور من العرب إلى أنهم يتخلون بالتدريج عن ورقتهم الأخيرة، ويخشى المرء أن يأتي يوم تحدث فيه اللقاءات الحميمة بين عرب وإسرائيليين، وتدشن تبادلا على أوسع نطاق بين الطرفين في كافة المجالات أو أهمها، ثم يخرج الجميع في بيان ختامي يعلنون فيه أنهم بحثوا قضية تطبيع العلاقات وقرروا إرجاءها إلى حين حدوث تقدم في العملية السلمية. ولن يكون هذا بغريب.. ألم نتعود على إخفاء رؤوسنا في الرمال إزاء ما يواجهنا من تحديات؟