لم تبدِ قمة الدول الثماني، الأكثر ثراء وقوة، أي جديد يمكن أن يكون مقلقاً بالنسبة لإيران. على العكس، قد يكون التناغم الأميركي- الروسي الناشئ أكثر إثارة للاهتمام بالنسبة إلى طهران. في لاكويلا بإيطاليا، بقي الزعماء الثمانية تحت خط الحذر الذي انتهجته واشنطن منذ بداية أزمة التلاعب بنتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية. فهم ليسوا موحدي الموقف أساساً. كانوا كذلك طوال أزمة الملف النووي وسيستمرون. أقصى ما يمكن أن تذهب إليه الصين وروسيا، هو عدم الوقوف ضد عقوبات جديدة، وإن مشددة. في موسكو توافق باراك أوباما وديمتري ميدفيديف على فرض امتلاك إيران أسلحة نووية، ومن الواضح أن التوجه الدبلوماسي البحت لأوباما يريح روسيا التي كانت دائماً ضد أي مشروع عمل عسكري ضد إيران. في قمة "لاكويلا"، كان الانطباع الغالب هو الحيرة، إنْ لم يكن الارتباك إزاء إيران. قبل أيام كان رئيس الأركان الأميركي يقول إن ضرب إيران يزعزع الاستقرار بقوة في المنطقة. وخلال القمة كان الزعماء يحاولون التوفيق -شبه المتعثر- بين ترغيب طهران بالتجاوب مع دعوات الحوار الموجهة إليها وبين توبيخها على القمع الدموي الذي واجهت به حركات الاحتجاج على نتائج الانتخابات. وقد فضلوا في النهاية التركيز على المفاوضات، محددين مهلة تنتهي في سبتمبر المقبل. ماذا بعدها؟ طهران ترفض هذا النوع من الانذارات، لكنها ستتعامل معه على طريقتها وبمنهجها، أي السعي إلى تمييع المهل، وكسب ما أمكن من الوقت. في الأسابيع المقبلة يفترض أن يكون النظام الإيراني انتهى من التعامل مع تداعيات أزمة الانتخابات. صحيح أن نجاد سيمضي في رئاسته مع حكومة جديدة، لكن النظام بات يعلم جيداً أن لديه حقائق جديدة في المجتمع، وسيكون عليه أن يبلور صيغة للتفاعل مع انعكاساتها. فالإصلاحيون يسعون للبقاء ككيان معارض، منظم ومتحرك، وبالتالي فإنه يحتاج إلى اعتراف رسمي بـ "شرعية المعارضة". قياساً إلى ما حصل ولا يزال يحصل في الشارع كما في القضاء، فإن النظام لا يبدو مستعداً لمثل هذا الاعتراف، بل يريد أن يترك الأمر لميليشيا "الباسيج". إذاً، ستكون إيران أمام تجربة غير مسبوقة منذ اندلاع الثورة وقيام "الجمهورية الإسلامية". وفي الوقت نفسه عليها أن تدخل في مفاوضات مع الولايات المتحدة. لذلك سيميل النظام إلى تشديد القبضة الحديد في الداخل، وبما يبدي تعصباً في الخارج لإحراج القوة الغربية لعلمه بأنها لن تتمكن من حسم أمرها وتوحيد مواقفها في اتجاه تهديده بضربة عسكرية. هناك مؤشر إلى الارتباك الغربي، وهو السجال الذي حصل حول ضوء أخضر أو أصفر لإسرائيل كي تقدم على ضربة عسكرية لإيران. للمرة الأولى اضطر الرئيس الأميركي للتدخل كي يبدد التأويلات التي أشاعتها تصريحات نائبة جوزيف بايدن. اعتبر الأخير أن أميركا لا تستطيع منع إسرائيل من القيام بالضربة، ولعله أراد مخاطبة إيران محذراً، لكنه قد يكون اختار الوقت غير المناسب فضلا عن المضمون الخطأ، وهو العليم بأن إدارته بذلت جهداً لإفهام بنيامين نتانياهو بأنها حازمة في منعه من القيام بأي عمل عسكري طالما أن الكلمة هي للدبلوماسية. المؤشر الآخر للارتباك عبر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، حين وصف أي عمل عسكري إسرائيلي بأنه سيكون "كارثة كبيرة"، وبالأخص حين قال للإسرائيليين "لستم وحدكم"، في هذه الأزمة لتتصرفوا بمفردكم. وليس معروفاً مع أي من الإشارات سيتعامل نتانياهو، لكنه سيفضل طبعاً كلام بايدن لأنه يتماشى أكثر مع حساباته وميوله. فالإسرائيلي مدرك الآن أنه إذا لم يفتعل الحرب على إيران، فإن هذه الحرب لن تقع، ما يعني خسارة استراتيجية لإسرائيل، التي تثرثر كثيراً عن تهديد إيران لها، لكنها تعلم أنها ليست مهددة، وإنما لديها مصلحة في تفجير الأزمة لتتخلص من الضغوط الدولية عليها بشأن إحياء عملية السلام في الشرق الأوسط. عملياً تبدو الأزمة الداخلية كأنها خدمت النظام الإيراني ليظهر أكثر قوة مما كان الغرب يظن. فهذا نموذج غير مسبوق يجمع شيئاً من النموذجين الكوري الشمالي والبورمي، كذلك من تجربتي الاتحاد السوفييتي والصيني السابقتين، مع فارق أنه يسمح بانتخابات وإذا أدت الانتخابات إلى أزمة فإنه يستوحي تلك التجارب للتخلص منها. في الغرب، تحديداً في الولايات المتحدة، انطلق التفكير مجدداً في السيناريوهات، مع ترجيح احتمالات أن التفاوض والحوار ليسا مرشحين للتوصل إلى النتيجة المتوخاة. هناك ميل كبير لدى فريق أوباما لاستبعاد العمل العسكري، كذلك هناك شعور متنام بأن إيران تلعب على هذا المعطى وتعتبره من وسائلها الإضافية للمماطلة. لكن المقايضة التي عرضها أوباما على موسكو، لكي تساهم في منع حصول إيران على سلاح نووي مقابل تأجيل نشر الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية، قد تدفع إيران إلى إعادة النظر في حساباتها.