يقولون: "سافر ففي الأسفار خمس فوائد ** تفرّيج همّ واكتساب معيشة وعلم وآداب، وصحبة ماجد"، ترى هل ينطبق بيت الشعر هذا على واقع الأسفار اليوم؟ ولنأخذ هذه الفوائد واحدة تلو الأخرى: ** تفرّيج همٍّ: والحقيقة أنه بمجرد العودة من السفر تبدأ هموم دفع الأقساط الشهرية للبنك، لأن الناس اليوم يعتمدون في التفريج عن همومهم على مبدأ امرئ القيس حين جاءه وهو سكران، خبر اغتيال والده، حيث قال، "اليوم خمر، وغدا أمر". وبالتالي كل تفريج هم في السفر يقابله اكتساب هموم القرض بعد السفر، ومن ثم فهذه الفائدة ساقطة. ** واكتساب معيشة: وفيها الناس صنفان، مهاجر من أجل لقمة العيش بشق الأنفس ومتاعب تأشيرة "الفيزا" بالانتظار الطويل والمهين أمام أبواب السفارات، وساعات العمل الطويلة مقابل الأجر الزهيد. وأما الصنف الثاني فهو يكتسب معيشته من مرتبه الذي يقبضه من الحكومة، وبالتالي فهو ليس بحاجة للسفر لاكتساب المعيشة. ** وعلم: وهنا لابد أن نضحك، إذ باستثناء طلبة البعثات الدراسية، فلا يوجد سائح عربي يسافر من أجل العلم. بل إن العربي بالذات من دون الناس لا يفكر ولا حتى في محاولة التعرّف على التطورات العلمية للبلاد التي يزورها، كما هو حاصل في المتحف البريطاني وغيره من متاحف الغرب. ** وآداب: والعرب لا يكادون يمسكون كتاباً في أسفارهم أو حتى يحاولون مشاهدة المتاحف الحضارية مثل "اللوفر" أو الوقوف لمعرفة تاريخ اللوحات والمنحوتات الفنية الموجودة فيها. ** وصحبة ماجد، ولا أظن أن صحبة أم الأولاد والأولاد ممن يدخلون في هذا الباب أو ضمن هذا الصنف من الأصدقاء. ثم أين هو الصاحب الماجد اليوم الذي يظهر في السفر؟ وبناء على ما سبق ذكره، يسقط هذا البيت من الاستعمال اليوم. وكون بعض أبناء العروبة يردده بين حين وآخر، لا يعني أنه يفهمه، بل مجرد استعراض للذاكرة التي صدأت من قلة القراءة. ماذا لدينا اليوم إذن؟ لدينا في السفر اليوم المصائب التالية: ** أحدث بلاء يصيب البشرية، إنفلونزا الخنازير. وللعلم أن إنفلونزا الطيور لا تزال موجودة. ** ازدحام المطارات، وتأخير مواعيد الطيران. ** الوقوف بأبواب السفارات الغربية للحصول على "الفيزا" اللازمة لدخول الدول الغربية. ** "البهدلة" في المطارات بالانتظار الطويل في صفوف وزن الأمتعة. ** ضياع الشنط عند الانتقال من مطار لآخر. ** حمّامات الطائرات التي لا تتسع لمن يتجاوز وزنهم الستين كيلوجراما. ** الكراسي السياحية الضيقة لمن لا يستطيع حجز درجة رجال الأعمال أو الأولى. ** تغيير الملابس الوطنية الواسعة الساترة للعيوب الجسدية، والفضيحة المدويّة حين نكتشف أن ملابس العام الماضي ما عادت تصلح، ولابد من الذهاب إلى الخياط أو شراء ملابس جديدة لأسبوعين أو ثلاثة فقط. ** الركض وراء التاكسي في الشوارع بعد العز والدلال في السيارات الأميركية. ** الشقة الضيقة بعد رحمة الله الواسعة في الوطن الأم. ** المغادرة بثلاث شنط ملابس، والعودة بعشر شنط جديدة وهدايا للأهل والأصدقاء... وحتى للخدامة! ** العودة حافياً من المال، والصبر على تدبر المعيشة حتى ينزل الراتب الحكومي. إن السفر اليوم أصبح مكلفا لمن لا يطيق مصاريفه. والناس للأسف تأخذها العزّة بالإثم حين تقرر السفر لمجرد المباهاة أو لتغيير "الجو"، علماً بأن معظم الخليجيين على سبيل المثال يغادرون في عز الحر، ويعودون في عزّ الحر، باعتبار أن معظمهم لا تزيد مدة سفره عن ثلاثة أسابيع. والفائدة في السفر اليوم متحصلة فقط لمن يملك المال...