ميزنا في مقال سابق بين ثلاثة أقسام في الخطاب الذي وجهه أوباما إلى العرب والمسلمين من القاهرة يوم 04-06-2009. أما القسم الأول فهو "المقدمة" التي خصصها لدعوة المسلمين إلى "تدشين" مرحلة جديدة بين "الإسلام" والولايات المتحدة الأميركية، على أساس المصارحة والمصالحة واعتبار المصالح المشتركة. وما برر به الخطاب هذه الدعوة جملةُ أمور: ناقشنا ترتيبها وأبرزنا طابعها الإنشائي/ الخَطابي... وبعد المقدمة يأتي "الموضوع"، وقد حصر الخطاب مسائله في سبع، ثلاث تنتمي إلى عالم السياسة، كما نعيشه اليوم، وهي: مسألة التطرف الذي يلجأ إلى العنف المسلح (أو الإرهاب)، ومسألة الصراع العربي/ الإسرائيلي، وقضية السلاح النووي (والمقصود: سعي إيران لتملكه). لقد ناقشنا منطقه في هذه المسائل الثلاث الأولى التي يعتبرها من جملة "مصادر التوتر" بين أميركا و"الإسلام" وأوضحنا كيف أنها تنبني على مقارنات متهافتة، ليس فقط لكونها غير عادلة، بل أيضاً لأنها تفتقد إلى اللحام المنطقي الذي يجعل منها مقارنات متماسكة منسجمة غير قابلة للانهيار بمجرد ما توضع موضع السؤال. ويبقى علينا في هذا المقال أن نلقي نظرة على المسائل الأربع الباقية من القضايا التي اعتبرها الخطاب مصدر التوتر بين "أميركا والإسلام"، لنعرج بعد ذلك على خاتمة الخطاب، قبل أن نختم نحن بكلمة موجهة لقارئ هذه السلسلة من المقالات حول "أوباما الخطاب". أما أن يمارس "أوباما الخطاب" السياسة في القضايا السياسية الثلاث (العنف المسلح، والصراع العربي الإسرائيلي، وإيران والسلاح النووي)، فذلك مفهوم وربما مبرر أيضاً، بالنظر إلى أنه يريد أن يسترضي العرب والمسلمين دون أن يغضب إسرائيل وأنصارها في الإدارة الأميركية. وممارسة السياسة في الخطاب السياسي، تقوم في الغالب على الإثبات والنفي في آن واحد (نعم ولكن). وقد جرت يوماً على لسان زعيم سياسي مغربي عبارة أعتبرُها شخصياً أوضح وأفصح مثال على "ممارسة السياسة في السياسة"، وذلك حينما خاطب الجماهير التي كانت تشك في جدوى التفاوض مع الحكم للدخول في الحكومة، قائلا: "نحن نمارس السياسة بحسن نية سيئة"! وإذا كنا لا نستطيع القول إن هناك شيئاً ما من "نية سيئة" في خطاب أوباما فإننا لا نشك في أن "حسن نيته" مكبَّلٌ بما ساد قبله ويسود حوله من سوء نية معلنة... قلنا مارس خطاب أوباما السياسة في القضايا السياسية الثلاث، وقلنا هذا مبرر ومفهوم، ولكن ما هو غير مبرر وغير مفهوم أن يمارس السياسة أيضاً في القضايا الأربع التالية وميدانها ليس السياسة بل الأيديولوجيا، وهذه القضايا هي: الديمقراطية، والحرية الدينية، وحقوق المرأة، والتنمية الاقتصادية. وكان من المفروض أن يمارس هذا الخطاب "الأيديولوجيا" في هذه القضايا الأيديولوجية. وممارسة الأيديولوجيا في القضايا الأيديولوجية تقتضي اتخاذ موقف أيديولوجي واضح يُخَطِّئُ أو يسَفِّه موقف الخصم في تلك القضايا، أو يقتصر على إعلان اختلافه معه. ولكن خطاب أوباما لا يفعل ذلك، بل يعلن موافقته لمواقف الخصم، كما يعرضها هو (أي خطاب أوباما) نيابة عن صاحبها في إطار من التموجات وعمليات "الكر والفر" التي تسحب فيها اليد اليُسرى ما أعطته اليد اليمنى، كما سنرى. وفيما يلي أمثلة: في قضية الديمقراطية وهي الرابعة من المسائل السبع (التي يعتبرها الخطاب مصادر للتوتر...)، يبدو خطاب أوباما في صورة "تطمين مفتعل" يؤكد للحكام -في بعض البلدان العربية خاصة- أن الإدارة الأميركية الحالية لن تسلك معهم مسلك إدارة بوش التي أرادت أن تفرض عليهم "الديمقراطية والإصلاح" فرضاً، بدعوى أن "الإرهاب" يجد مصادر تمويله في غياب الشفافية والديمقراطية والإصلاح في تلك البلدان... الخ. ولكن، بما أن هذا الخطاب التبشيري لا يمكن أن يزكي الوضع القائم في تلك البلدان فإنه يحرص على التمييز بين التشبث المطلق بـ "القيم الأميركية" وفي مقدمتها "الديمقراطية" التي أوصلت أوباما إلى الحكم، وبين "التسامح" أو التساهل في تبنيها وتطبيقها في بلدان لها وضعيتها الخاصة. ويقول الخطاب: "لا يمكن لأية دولة ولا ينبغي على أية دولة أن تفرض نظاماً للحكم على أية دولة أخرى" (التخلي عن شعار "الديمقراطية والإصلاح كما نادى به بوش)، حسن! لكن، ماذا يقدم أوباما/ الخطاب كبديل لهذا التخلي؟ إنه يعود إلى المبدأ الذي سارت عليه الإدارة الأميركية دائما: "السياسة الواقعية"، التي تعني هنا مسايرة "الأمر الواقع". يقول الخطاب: "ومع ذلك لن يقلل ذلك من التزامي تجاه الحكومات التي تعبر عن إرادة الشعب حيث يتم التعبير عن هذا المبدأ في كل دولة وفقا لتقاليد شعبها". والسؤال المطروح هو: "هل يجوز اعتبار الاستبداد وبالتالي اللاديمقراطية من تقاليد الشعوب؟ غياب هذا السؤال في خطاب/ أوباما هو ما يكشف عن كونه "يمارس السياسة في الأيديولوجيا"، أي الانتقال من المطلق إلى النسبي، من مستوى "ما يجب أن يكون" إلى مستوى "ليس في الإمكان أبدع مما كان". أما في القضية الخامسة وعنوانها "الحرية الدينية" التي يختصرها في جانب واحد من جوانب حقوق الأقليات فهو يطمئن المسلمين في أميركا بالاعتراف بأن "القواعد التي تنظم التبرعات الخيرية في الولايات المتحدة على سبيل المثال أدت إلى تصعيب تأدية فريضة الزكاة بالنسبة للمسلمين"، ثم يضيف: "وهذا هو سبب التزامي بالعمل مع الأميركيين المسلمين لضمان تمكينهم من تأدية فريضة الزكاة". ولكن المسألة في الحقيقة ليست مرتبطة بـ "فريضة الزكاة" كواجب ديني. إن الجميع يعرف أن تدخل إدارة بوش في هذه المسألة هو بهدف ما عبرت عنه بضرورة "تجفيف منابع الإرهاب". وبالتالي فالمستهدف في هذه المسألة ليس "الزكاة"، بل جمع الزكاة لمساعدة المقاومين للاحتلال في فلسطين خاصة؛ وبالتالي فمقابل هذه القضية هو جمع اليهود المساعدات لمساعدة إسرائيل على الاحتلال وبناء المستوطنات. إن التعادلية العادلة تقتضي أن يعلن خطاب أوباما أنه قرر العزم على منع جمع اليهود للمساعدات التي تذهب إلى إسرائيل لبناء مستوطنات وتركيز الاحتلال وتوسيعه كما منع بوش جمع الزكاة... الخ. وفي هذه القضية نرى كيف يمارس خطاب أوباما (ولا أقول شخص أوباما) السياسة في الأيديولوجيا بطريقة تٌخفي ما في هذه الممارسة من "سوء نية" في دعواها "ممارسة السياسة بحسن نية". أما مسألة الحجاب التي أدرجها في مسألة حقوق المرأة فهي ليست مسألة دينية، ليست من مجال "الحرية الدينية". الحجاب ليس رمزاً دينياً (يتميز به المسلم عن المسيحي أو اليهودي أو البوذي... الخ)، إنه في الإسلام من ميدان الأخلاق، إنه لباس الحشمة. فلا مجال لمقارنة الحجاب بالصليب مثلا. هذا داخل بلاد الإسلام، أما خارجها فمن حق المرأة في البلدان الأخرى أن تتمسك بالحشمة على الطريقة التي تعتقد أنها إسلامية، ولما كانت أنواع الحجاب هي من العادات وليست من العبادات، فإن التدخل في الحجاب ينقلب إلى مس بالهوية. وتأتي القضية السادسة حول حقوق المرأة وكل ما فيها للتأكيد على أهمية تعليم المرأة، وهذا الموضوع ليس فيه ما يثير "التوتر" بين أميركا و"الإسلام"، وبالتالي فما ورد في الخطاب حول حقوق المرأة هو فضل كلام، إنه غير ذي موضوع، إلا إذا اعتبرناه جزءاً من التحرك على مستوى "العلاقات العامة" بالمعنى الأميركي للكلمة. ويصدق ذلك أيضاً على المسألة السابعة والأخيرة التي عنوانها "التنمية الاقتصادية"، فقد جاء الخطاب فيها عبارة عن وعود زاهية أشبه ما تكون بوعود الحملات الانتخابية، البلدية منها والبرلمانية والرئاسية. أقول هذا لأنها تتجنب بصورة مطلقة "المسائل الاقتصادية" التي لها فعلا دور في مجال "التوتر بين أميركا والمسلمين"، مثل مسألة البترول، وصرف الدولار، والقيود الحمائية التي تفرضها الإدارة الأميركية، والقائمة طويلة. وتبقى خاتمة الخطاب وخاتمة كلامنا نحن موضوعاً للمقال القادم. خاتمة: عالم الغد.