كنت أتابع برنامجاً وثائقياً أميركياً في إحدى القنوات العلمية، وتفاجأت وأنا أتابع البرنامج ببعض الأميركيين يتحدثون عن سمعة أميركا ورمز بعضهم لهذا بجواز السفر الأميركي، كيف كان؟ وكيف أصبح؟ يقول: لقد كانوا يستقبلوننا بالترحاب في كل العالم والآن أصبحنا موضع مقتٍ واتهام! على الضفة الأخرى يتحدث بعض السعوديين عن نفس المشكلة، ويتحسّرون كيف أن جواز سفرهم كان مرحباً به في كل العالم، وكانت الدول تسعى لاستقطابهم بشتى السبل، ويأسفون كيف أن الأمور تغيّرت اليوم فقد أصبح جواز سفرهم يعتبر شبهةً في بعض الدول ومثيراً للقلق لدى أخرى، وأصبحت معاناتهم في الحصول على الفيزا في الدول الغربية حديث الصحافة ومدار معارك مع السفراء والقناصل. لا نحتاج لتأكيد أنّ الجوازين الأميركي والسعودي لا زالا يحظيان باحترامٍ كبيرٍ، ولكننا بصدد رصد شكوتين مطروحتين، فأين يكمن السرّ في هاتين الشكوتين؟ ولماذا جرى ما جرى؟ لاشك أنّ هذه الظاهرة الجديدة جاءت نتيجة تراكماتٍ سياسية وأيديولوجية وخطاباتٍ عدائية وأفعالٍ عدوانيةٍ استمرت في الكبر ككرة الثلج بدءاً من الحادي عشر من سبتمبر، واستجلبت هذه التراكمات والخطابات والأفعال من التراث أقبح ما فيه وانتقت منه العدائي والمثير للكراهية والبغضاء وجعلته متناً لا هامشاً وبنت عليه رؤيتها للآخر وموقفها منه وتقويمها له. أحسب أنّ السرّ في الشكوتين يكمن في مبدأ الثقة، فقد تعرّضت هذه الثقة لاهتزازات مؤثرة بين أطراف متعددة في العالم، ولم تنقص ليحلّ محلها الفراغ بل حلّ محلها الشك والريبة، وأصبحت الشعوب تنظر لبعضها بنظرة إن لم تكن عدائية فهي متشككة وقلقة ومتحفزة، الاتهامات بين عدد من الأطراف في العالم بلا حساب، ومهما سعى القادة للتغيير فإن التوجّس بين العامة تكاثر وتزايد. ثمة جهود تبذل في أكثر من مكان في العالم لاحتواء هذه التراكمات وهذه الشكوك، وثمة سعي دؤوب لاستعادة برد الثقة بعد سخونة الشكوك، فدعم منطق الحوار والتعايش بدأ يأخذ شيئاً فشيئاً بالاتساع على حساب منطق الصراع والتعادي، وعلى الضفتين الغربية والشرقية بدأ صوت الأخير يخفت وإن لم ينته ولم يقارب النهاية، وصوت الأول يعلو ويزداد صفاء وانتشارا. إنّ جواز السفر والثقة به أو انعدامها اليوم يعتبر مدخلا عمليا لإثارة الجدل حول مسألة التعايش والتعادي، ذلك أنّ جواز السفر يعبّر اليوم عن هويّة وانتماء وولاء، والثقة به تأتي من مجموعة عوامل سياسية واجتماعية وثقافية وغيرها، وهي عوامل متداخلة، والشك فيه تؤثر به ذات العوامل، ويبقى الخيار للعقلاء في تعزيز الثقة الموجودة واستعادتها عند فقدانها أو فقدان جزء منها، وذلك ما لايتمّ إلا عبر قنوات التواصل والحوار المستمرّ، فالحوار في حدّ ذاته أمر محمود ومحبب، يثير الأسئلة وينقّح الأجوبة، واختياره مسلكاً يعني نبذ العنف والإقصاء والكراهية. إنّ قيمة الحوار لا تكمن في ثنائية الشرق والغرب فحسب، ولكنّها قيمة عامة بين الحضارات والأمم وبين الشعوب وداخل المجتمعات وحتى بين الأفراد، فالاختلاف واقع وحق في نفس الوقت، والرافضون للحوار هم المتعصّبون الذين لا يعيشون إلا على تصعيد الخلافات وجعلها على الدوام محلّ افتراقٍ وتعادٍ. ليس بعيدا عن التاريخ بل استمرارا له، ونتيجة لتجاربه ودروسه وتقلّب البشر وتطورهم مع مسيرته وصل أغلب البشر اليوم إلى قناعات معولمة تنحاز السلام لا الحرب، ترفض العنف، تدين هضم الحقوق، تجرّم العدوان، وهذا التطوّر لا تختصّ بفضله حضارة دون أخرى بل هو تراكم شاركت فيه حضارات متعددة وبشر مختلفون، غير أنّ هذه النتيجة التي يرتضيها الغالبية اليوم لا تلقى رواجا لدى قلّة من دعاة التخاصم الذين لا يعيشون إلا على الأيديولوجيا والتعصب الأعمى، ولا يعبأون بمسيرة التاريخ ولا بتطوّر البشر. لنا أن نتساءل هنا عن التاريخ والبشر من منهما يصنع الآخر؟ ربما كانا يصنعان بعضهما، وهو الأقرب، ولكن السؤال هنا هو عمن اختاروا أو توهموا ألاّ علاقة لهم بالتاريخ ولا بالبشر؟ من هم وكيف يفكّرون؟ إن هؤلاء أصناف لها دوافع وأهداف متفرقة، فدوافعهم بعيدة عن المعرفة والتجربة وأهدافهم تقودها نزعة السيطرة عبر قنطرة الصراع، حيث نقرأ على أحد وجهي العملة الفكرية لهؤلاء لفوكوياما يحدثنا عن نهاية التاريخ وأحقية النموذج الغربي بصيغته الأميركية تحديداً في إيقاف عجلة التاريخ عند التجربة الأميركية قبل سنواتٍ -وإن كان قد عدّل شيئاً من آرائه لاحقاً- أو لهنتنجتون الذي مات ولم تمت نظريته ليخبرنا عن حتمية صراع الحضارات الذي مركزه الدين، بينما نقرأ على وجه العملة الآخر لمتعصبين آخرين من أبناء جلدتنا يناقضون هؤلاء تماماً على النتيجة، ويملكون نفس مفتاح التعصب، ولكن بيقين معاكس، ويمثل هؤلاء بعض المتشددين من الجماعات الدينية، والتي تمثل الجماعات الإسلامية المتشددة مثالهم الصارخ في مقابلة خصوم الصراع، وينطق ابن لادن ومنظروه باسمهم، لقد آثر هؤلاء الهروب من التاريخ وتجاهل اللحظة الراهنة للبشرية، ولجأوا للخرافة ليثبتوا مقولاتهم التي يعوزها المنطق ويرفضها الواقع، وقد حدثونا عن سفياني سيخرج، وقحطاني سيسوق، ومهدي سيملأ الدنيا، ولذا فهم ينتظرون هذا ويسخنون العالم لذاك. إنّ طرفي العملة هؤلاء يلتقيان على العالم ليحرقاه في مبخرة التعالي عليه والهروب منه، ويقدمانه قربانا لنظرة أيديولوجية ضيّقة، لا تستطيع صدورها أن تحمل أعجازها ولا تطيق مقدماتها ثقل نتائجها. إنّ كل طرف منهما يحدثنا عن وحشية الطرف الآخر وعنفه واستخفافه بأي إنسان أو ثقافة أو حضارة لغيره. الأول يقول: إن الإسلام دين دموي بطبعه، وفكرة حقوق الإنسان غربية خالصة، والمسلمون جميعاً يروننا أعداءهم الدائمين، أما الثاني فيحدثنا أن الغرب هو الدموي بطبعه، فتاريخه الذاتي يشهد بذلك، وتاريخه معنا منذ الحروب الصليبية مروراً بالاستعمار وانتهاء بإسرائيل وأفغانستان والعراق يدلّ على ذلك، ويضيف أنّ الغرب لا يروننا إلا برابرة متخلفين، ولا يرضون إلا أن نخضع لهم، ويعتبروننا أعداءهم الدائمين. هذه النظرة الأيديولوجية المتعصّبة بدأت تنفضح وتكسد سوقها بعد انفتاح البشر على بعضهم، وبعدما وصلت الحضارة الإنسانية إلى قيمٍ مشتركةٍ كبرى يقتنع بها الأكثرون من شتى الحضارات والأمم، وبدأ هؤلاء المتعصبون يتحوّلون إلى شيء أشبه بالفكاهة الكوميدية، وإنْ كانت تنتمي لكوميديا سوداء. ما يحاول أن يتناساه الطرفان هو أن الحضارة القوية تفرض نوعاً من شروطها على الضعيفة بهذه الدرجة أو تلك، وهو دور متبادل على طول التاريخ، بل وداخل كل حضارة بين مراكز القوى والضعف فيها، وأنّ هذا ليس دليل فضل عنصرٍ على عنصرٍ ولا دينٍ على دينٍ، وإنما هو دليل على حيويّة الإنسان وقدرته الدائمة على التطوّر نحو الأفضل. سيعود للجوازات ما فقدته من ألقٍ، وللمسافرين ما فقدوا من راحةٍ وسهولةٍ ويسرٍ، فتداخل العالم اليوم وتعاونه يحاصر الشكوك، ومع ارتفاع صوت العقل فإن هذه المشكلة وأمثالها إلى فناء، ويبقى الإنسان أخا للإنسان مهما اختلفا، ويبقى التعايش خيار المستقبل.