شهدت السنوات الأخيرة تغيراً جوهرياً في طبيعة الوجهات السياحية التي أصبح يقصدها المسافرون من دول الخليج على وجه الخصوص، ومن العالم العربي بوجه عام. فلم تعد لندن وباريس وسويسرا، كما كان الحال في عقدي الستينيات والسبعينيات، هي الوجهات الأساسية التي يتسابق السياح الخليجيون للسفر إليها لقضاء عطلة الصيف، حيث استبدلت تلك المدن بوجهات أكثر ملاءمة للسياحة العائلية، وأقل تكلفة أيضاً، مثل تايلاند وماليزيا وتركيا. وحتى بعض الدول الأفريقية مثل تنزانيا، وكينيا، وجنوب أفريقيا، أصبحت هي الأخرى مقاصد سياحية مهمة للسياح الخليجيين. وأكبر دليل على هذا الواقع السياحي الجديد نوعاً ما، هو أن جميع شركات الطيران الإقليمية، أصبحت توفر عدة رحلات مباشرة في الأسبوع إلى تلك الوجهات، وهي رحلات غالباً ما تكون ممتلئة عن آخرها معظم شهور السنة. وهو ما يعني بالضرورة، أن عدداً لا يستهان به من المواطنين والخليجيين أصبحوا يتعرضون لمشاكل الصحة العامة التي تواجه أفراد شعوب تلك الدول. وإحدى تلك المشاكل، والتي تشكل خطراً داهماً على السكان الأصليين وعلى الزائرين، هي مشكلة الكلاب الضالة أو السائبة التي تنتشر بكثافة في تلك الدول. فبخلاف خطر الإصابة الجسدية المباشرة نتيجة العض، تحمل تلك الكلاب أيضاً خطر العدوى بداء الكلَب أو مرض السُّعار (Rabies). ولبيان فداحة هذا الخطر، يكفي أن نعلم أن السعار يقتل سنوياً أكثر من 55 ألف شخص، 31 ألفا منهم في آسيا، و24 ألفاً في أفريقيا، بالإضافة إلى بعض الحالات المتناثرة والقليلة في أميركا الشمالية وبقية مناطق العالم. والسعار مرض قديم قدم التاريخ نفسه، وقد كتب عنه المؤرخون ووصفه الأطباء الأوائل منذ عصور غابرة. وإن لم تتح درجة معرفة الأطباء بالمرض حينها، الكثير من الاختيارات على صعيد طرق العلاج والوقاية، التي كان أغلبها طرقاً خرافية اعتباطية. وإن كان الطب الحديث قد نجح في كشف حقائق هذا المرض منذ عدة عقود، وخصوصاً حقيقة أنه بعد أن تنتقل العدوى للإنسان، عن طريق عضة حيوان مسعور، يسافر الفيروس الموجود في لعاب الحيوان، من مكان العضة إلى الأعصاب الخارجية. ومن خلال هذه الأعصاب الطرفية، ينتقل الفيروس إلى الجهاز العصبي المركزي، حيث يصيب المخ والحبل الشوكي. وفي أثناء رحلة الفيروس هذه، لا تظهر على المريض أية أعراض، ويصعب تحديد وجود الفيروس من عدمه، وهي الفترة التي يمكن للتطعيم خلالها أن يقي المريض من التبعات اللاحقة. ولكن، بعد وصول الفيروس مباشرة للمخ، يصاب المريض بالتهاب شديد في المخ وفي الحبل الشوكي. وتظهر أعراض هذا الالتهاب في شكل قلق وتوتر، وفقدان القدرة على النوم وعلى التركيز، ثم التهيج والسلوك غير السوي، مع خروج كميات كبيرة من اللعاب، وذرف الدموع. وفي المراحل الأخيرة من المرض، يفقد المريض القدرة على الكلام وعلى البلع، مما يولد لديه رعباً شديداً من الماء ومن السوائل. وإذا ما حللنا هذه الأعراض، فسنجد أنها عبارة عن استراتيجية خطيرة، يتمكن من خلالها الفيروس من البقاء والانتقال من حيوان إلى آخر. ففقدان القدرة على البلع، يؤمن خروج الفيروس مع اللعاب الذي لا يستطيع المصاب بلعه. وفي ظل الارتباك الذهني والعدوانية، يقوم المريض أو الحيوان، بعض أشخاص أو حيوانات أخرى، مما يؤمن انتقال اللعاب بما يحتويه من فيروس إلى الضحية الجديدة. وعلى رغم توفر علاج فعال للمرض، إلا أن الوقاية تعتبر دائماً هي الخيار الأفضل، مثله في ذلك مثل بقية الأمراض. ولكن دائماً ما اصطدمت الجهود الرامية للقضاء على السعار بين الكلاب -المصدر الأساسي لانتقاله إلى البشر- بمشكلة عدم توفر تطعيم منخفض التكلفة ومرتفع الفعالية في الوقت ذاته، وهو الوضع الذي ربما يتغير عما قريب حسب دراسة نشرت في العدد الأخير من إحدى الدوريات العلمية المرموقة (Proceedings of the National Academy of Sciences). فهذه الدراسة التي أجرتها مجموعة من العلماء في جامعة "توماس جيفرسون" (Thomas Jefferson) بالولايات المتحدة، أظهرت أنه يمكن تصنيع تطعيم جديد، يتطلب تعاطي جرعة واحدة منه فقط كي يوفر حماية كاملة مدى الحياة، وهو ما يحمل في طياته إمكانية القضاء على المرض بشكل تام. وتم تطوير هذا التطعيم باستخدام أسلوب علمي معروف لإضعاف الفيروسات الحية (live-attenuated vaccine)، يتم عند حقنه توليد مناعة ذاتية ضد الفيروس، تمنع دخول الفيروس إلى الجسم من خلال عضة حيوان آخر. وبالفعل فقد تم تجريب هذا التطعيم على مجموعة من الفئران، حيث نجح في تخليق مناعة كاملة ضد أحد أشرس أنواع فيروسات السعار، ومن خلال جرعة واحدة فقط. وبالإضافة إلى هذا، نجح التطعيم كذلك في تخليص بعض الحيوانات المصابة بالمرض من الفيروس، وهو ما يحمل في طياته أيضاً احتمال استخدامه في علاج من تعرضوا لعضة حيوان مسعور، ومن ثم العدوى بالفيروس. وإلى أن تتم تجربة هذا التطعيم الجديد، وتطبيق استخدامه على نطاق واسع وبدرجة تحقق القضاء على السعار، ينصح بتجنب الكلاب الضالة، والحيوانات البرية أيضاً، سواء كنت داخل بلدك أو أثناء قضائك لعطلتك الصيفية. د. أكمل عبدالحكيم