هل يُعقل أن تمتد العولمة إلى الأقدام أيضاً؟ فلم تكتف الموضة بإلباسنا ألواناً وذوقاً وطريقة موحدة لتنتصر وتصل إلى الأقدام وتوحيد ذوقها بنعل خفيف. الفكرة الكامنة وراء ذلك بسيطة جداً، وهي عبارة عن نعل بلاستيكي يسهل تنظيفه، ويسهل انتعاله، وقد حصلت الشركة الأميركية على براءة اختراع كون هذا النعال مصنوعاً من مادة ضد البكتيريا، لذلك كان الأفضل انتعاله في أثناء السباحة أو في دورات المياه. ولكن كيف لحذاء من هذا النوع بألوانه البراقة وشكله الغريب أن ينتشر بكل هذا الهوس! فليس من المعتاد أن تكون لبضاعة بمثل هذا السوء في الشكل والمظهر العام، كل هذا الانتشار والنجاح الخيالي المنقطع النظير. فمع أواسط القرن العشرين انتشر الجينز، وكان علية القوم، يعتبرونه ذائقة ريفية صرفة، ولا يليق بشباب متأنق، يعتز بانتمائه لطبقة اجتماعية ذات ثقل اجتماعي أن يرتديه أو حتى يقلد رعاة البقر في تفصيله، كونه قماشاً عملياً رخيص السعر ولا يتلف بسرعة، ولكن بعد أعوام قليلة انتشر "الجينز" وتحول إلى ثورة اجتماعية، ورمز ثوري يعكس فكرا مناهضا لعنجهية الأغنياء، ثم تحول الجينز إلى رمز أميركي يقاطعه كثيرون، واعتُبر من يرتدي الجينز، على أنه يعلن ولاءه لأميركا، ويناهض قضايا وطنه. ولكن الجينز رغم كل هذه المحاولات، يتربع اليوم على عرش الثياب شئنا أم أبينا، ولكن الحذاء الذي أشرت إليه، لم يحتج إلى هذه السنوات لينتشر كالحمى في أصقاع المعمورة. ويبدو إنه سيتحول إلى "رمز" للعولمة، حين كان فكرة أميركية بتنفيذ صيني بمباركة عالمية، وقد اجتاحت حمى هذا النعال الغرب والشرق، الصغار والكبار، وسعت إلى تقليده عشرات المصانع مع إضافات نكهات متعددة ومختلفة على فعل غريب الشكل مثير للتساؤل، كيف انتشر بكل هذا الجنون؟ هذا الانتشار هو ما سيجعله بعد أعوام قليلة قادمة، صاحب لقب الأكثر مبيعاً والذي سيطور من ذاته ليتحول إلى أفكار متعددة وترحب به كل الأذواق ومتمكن من فرض ذائقة عالمية، تثبت أن العالم قرية صغيرة، مهما بدت الحدود والمواقع مترامية الأطراف. وينسحب الأمر على فكرة الموضة بشكلها العام، فالمصممون يتفقون على ألوان محددة للموسم، لتتغير كل واجهات المحلات في دبي أو ميلانو أو بومباي، وتعرض نفس الألوان، ويصبح من يرتدي ألوانا أخرى غير ألوان الموسم، كما لو كان لا يفقه في الموضة وأصولها. وكأن هناك خطة بتحديد عدد الضحايا ومسمياتهم وصفتهم، ونأتي بهذه الضحايا باقتدار لتنفذ الخطة بكل حذافيرها، وربما بالغنا في الإخلاص حين نشهر هذا التفاني بأن تستدرجنا الموضة حتى في غرف منازلنا، ونحقق أهداف المصمم وأصحاب الماركات العالمية بالتنافس على من يملك أكثر بضائع ممكنة لتقول إننا أبناء العصر المخلصون! العصرنة أو التمدن، أخذت شكلها الظاهري، وهو حجة جعلت من البعض يظن أنه حقق مآثر جمة، كونه ينصاع لمثل هذه الذائقة، وفي حقيقة الأمر أننا انشغلنا بتمدين أشكال الشوارع واللوحات المرورية، وألوان الأرصفة، وبترصيع الجينز بالأحجار الكريمة، وتحولنا إلى حالة من الاكتفاء والاستعراض بأننا الأكثر تمدناً وأناقة وفهماً في عالم الموضة والصرعات. ولكن روح التمدن غائبة، وحتى العولمة بفكرها المتعدد الثقافات جاءت بماركات فقط، ولم تأت بحقيقة معنى الثقافات وتداعيات الامتثال لأوامر ونواهي أرباب العولمة. فالامتلاء لدرجة التخمة بالماركات وغيرها من أشكال الاجتياح، لا يعني أننا حققنا هدف المجتمع العصري الحقيقي، سرقتنا الألوان البراقة، ونسينا أن الماركات الجديدة وسيلة لإعلان أننا نتبنى كل الأفكار المبدعة.. لكن فقط الأفكار المخصصة للأقدام فقط وليس أعلى من ذلك.