لم تُؤثر الأحداث التي أعقبت انتخابات الرئاسة الإيرانية في صورة النظام الإيراني وواقعه السياسي فحسب، وهي آثار قد لا تظهر مباشرة، بل وضعت نتائج الانتخابات والصدامات التي تلتها "الحركة الإصلاحية" كذلك أمام مسؤوليات جديدة وواقع مختلف. فقد تعمق الانقسام بين "المحافظين" ودعاة الحرية والاعتدال والتغيير، وضاقت قاعدة رموز الثورة الإسلامية ممن اعتمد عليهم النظام حتى الآن بعد الصدام العلني مع رفسنجاني، والعزلة التي وجد مراجع الدين الكبار أنفسهم فيها أثناء الأحداث، والإحراج الذي وجد فيه خامنئي ورموز الدولة أنفسهم فيه بسبب الهتافات والشعارات التي ترددت ولا تزال في الأوساط الجماهيرية الغاضبة. والآن هل نجحت السلطة الإيرانية في سحق "الحركة الإصلاحية" إلى الأبد؟ أو ربما كانت "ضربة يونيو" ضد المعترضين على نتائج الانتخابات الإيرانية تماثل الضربة، التي وجهتها السلطات الصينية قبل عشرين عاماً إلى المتظاهرين ضدها في بكين؟ أعجبني تحليل في صحيفة أميركية، يُقارن فيها الكاتب بين القمع ونتائجه في البلدين، ويقول: "في مثل هذا الشهر منذ عشرين عاماً خلت، توقع الكثيرون داخل وخارج الصين ممن عاصروا أحداث ميدان تيانانمن، بداية نهاية الحزب الشيوعي. لكنهم كانوا مخطئين. فبعد عقدين من الزمن تغير الحزب ذاته بصورة جذرية - حيث نحى أفكاره الثورية واستبدلها بميثاق اجتماعي يقوم على نمو اقتصادي سنوي ضخم - بصورة جعلته يظل آمناً ويحكم قبضته على البلاد كما كان من قبل".ويتساءل الصحافي الأميركي نفسه، كيف قام الحزب الشيوعي الصيني بذلك ونجح في مسعاه؟ ويقول: "خلال العقدين الماضيين، سمح الحزب الشيوعي الصيني بإجراء انتخابات محلية، وغض الطرف عن المظاهرات بشأن التلوث والفساد طالما أنها - كما نظروا إليها - لا تؤثر بصورة كبيرة على القيادة الوطنية. وسمح الحزب بمساحة حرية أكبر، ومنح حرية السفر إلى الخارج وتصفح الإنترنت - مع بعض القيود الصارمة - وتقبل الطبقات الصاعدة المتعلمة، وبتلك الشروط غير المكتوبة، التي نصّت على قدرة المعارضين على تحقيق طموحاتهم شريطة عدم تحدي سلطات الحزب. في تلك الأثناء، حصل الجيش على الغنيمة، ليس من خلال تحديثه بل عبر شركاته المالية، التي تشكل قسماً كبيراً من الاقتصاد الصيني الناهض. هذا المثال عاينه الإيرانيون أنفسهم، فقد أثرى الحرس الثوري هو الآخر في ظل الازدهار المالي في السنوات الأخيرة". إن مثل هذا المخرج، الذي يحفظ ماء وجه الطرفين ويُحقق بعض أهداف الجانبين، والذي نجح بشكل مُذهل في الصين قد ينجح في إيران كذلك. ربما عمدت السلطة بعد تحقيق شيء من الهدوء إلى محاولة كسب الشرائح الوسطى المثقفة أو الغنية المتذمرة، والتي تريد انفتاحاً اقتصادياً وإعلامياً أوسع وحرية سياسية أشمل بهامش أعرض. وقد يتم هذا عن طريق الإمساك بشدة بمفاصل الأجهزة الأمنية وترخية حبال الاقتصاد والترفيه والإعلام والثقافة وعدم التدقيق في الملبس وفتح إيران للسياحة على نحو أوسع. وقد تطرح السلطة مشروعاً سياسياً للتفاهم المشترك بين "المحافظين" والإصلاحيين، تتحول إيران بموجبه إلى ما يشبه مصر أو إندونيسيا أو دول إسلامية أخرى، مع استمرار نظام إسلامي غير مُتشدد وولاية فقيه متسامحة. ومن الممكن أن يتحرك الاقتصاد الإيراني، وينشط القطاع العام، والمؤسسات الاقتصادية الثورية، والقطاع الخاص من خلال الابتعاد عن إثارة غضب وحساسيات الدول الأجنبية، والكف عن محاولة عسكرة المجتمع الإيراني، أو دعم الجماعات والسياسات الثورية خارج إيران، وبدء مرحلة جديدة للنهوض الاقتصادي والتنموي، والقضاء على الفقر والبطالة، وتقليص الفوارق بين المدينة والريف، ودمج الأقليات القومية المختلفة في خيرات الاقتصاد الوطني. الدولة الإيرانية تملك قدراً هائلا من القوة العسكرية، وتستطيع فرض أي وضع وتسكت أي تيار مُعارض، وبخاصة إن لم تكن مكترثة بسمعتها الدولية والثورية والإنسانية. والواضح الآن، بعد أن وقع ما وقع وجرى ما جرى أن مرحلة من مراحل التجربة الإيرانية قد طُويت، والكثير من الأسئلة الوجيهة قد ظهرت، وإذا استقر الرأي بقادة إيران على مواصلة السياسات والمناهج السابقة فلابد أن يضعوا بالحسبان أن مرحلة خضوع "الإصلاحيين" للساسة والقادة التقليديين قد انتهت. وحتى لو تولى نجاد مقاليد الأمور بعد هذا الصدام والجدل، فإنه لن يكون في الداخل والخارج بنفس القوة والشرعية والتأثير. كما أن شعارات الثورة نفسها ونقاءها السياسي والفكري باتا موضع تساؤل واسع. ولكن هل صناعة القرار في إيران تماثل نفس خطوات اتخاذ القرار في دولة كالصين؟ وهل يملك قادة إيران نفس قدرة ورؤية ودهاء قادة الحزب الشيوعي الصيني؟ وهل تستجيب كل مراكز القوة السياسية والاقتصادية في إيران لمتطلبات التحول والانفتاح؟ لقد درس الباحثون التركيبة السياسية والاقتصادية في إيران، ويرى بعضهم أن البنية الاقتصادية والسلطة اللامركزية وشبه الاقطاعية في إيران ما بعد الثورة، هي أحد موروثات البنية الهرمية غير المركزية لرجال الدين الشيعة المسيسين الذين تولوا مقاليد السلطة في إيران منذ عام 1979. وتأخذ بنية السلطة اللامركزية هذه شكل ائتلافات واسعة بين الأفراد أو الجماعات المتشابهة فكرياً، وتتسم بروابط رعاية شخصية. ولا توكل الوظائف العُليا إلا للأقارب من الدرجة الأولى لمن هم في السلطة أو أصدقائهم المقربين، والذين يقومون، بدورهم، بتعيين أقاربهم وأصدقائهم في المواقع الحساسة والمؤثرة. ويرتهن نجاح الحكومة الإيرانية في أغلب الأحوال، كما يقول "ويلفريد بوختا"، بهذه الشبكات غير الرسمية. وهُناك سمة مهمة أخرى للنظام السياسي الإيراني، وهي أن الأفراد البارزين غالباً ما يكونون أكثر نفوذاً مما توحي به مناصبهم الرسمية. وهكذا، لكي نفهم الديناميات الداخلية لهذا النظام، فالأنفع لنا دراسة روابط الرعاية والولاء بين مختلف الأفراد بدلا من دراسة الخصائص الأيديولوجية أو الرسمية أو البيروقراطية للنظام. فهُناك الدولة الرسمية كما يحددها الدستور الإيراني، ولكن توجد أيضاً في إيران خارج هذه البنية الدستورية الرسمية بنية سلطة غير رسمية. على الصعيد الاقتصادي هناك قطاع الدولة والقطاع الخاص كما في أماكن ودول كثيرة. ولكن إيران فيها كذلك مؤسسات اقتصادية ضخمة غير حكومية في الأساس، وتدعي كلها أنها مؤسسات غير ربحية. وتمارس هذه المؤسسات نشاطات كثيرة، وهي معفاة من الضرائب وتتبع المرشد الأعلى مباشرة. وتمتد هذه النشاطات من التجارة إلى التصنيع وإلى نشر الدعوة الدينية - السياسية وتقديم الخدمات الاجتماعية. وتستطيع هذه المؤسسات رعاية الأفراد وتعبئة الجماهير وغرس المعتقدات الأيديولوجية وقمع الخصوم. ولا يعرف أحد درجة استقلاليتها عن الدولة، ولكن المعروف أنها تتمتع بقدرة غير محدودة في مجال الوصول إلى أموال الدولة، وأنها تقوم بأنشطتها دون أي رقابة، ويتركز معظم عملها خارج الدولة. وعلى الرغم من تخصيص 58 في المئة من ميزانية الدولة لها، فإن السلطة التنفيذية لا تمتلك معلومات محددة عن نشاطاتها الاقتصادية أو عدد الشركات التي تقوم بتشغيلها. ويرأس هذه المؤسسات بصفة شبه دائمة رجال دين ذوو نفوذ أو شخصيات رئيسية أخرى من النخبة الحاكمة، يسمونها في العامية الإيرانية "الملوك الصغار". هذه بعض مشاكل الواقع الاقتصادي، وثمة تفاصيل كثيرة عن الواقع السياسي والمرجعي وانقسامات التيارات ورجال الدين. فهل تستطيع إيران، دولة ونظاماً، أن تتحرك وتبادر وتجابه التحديات وأن تكون "صين غرب آسيا"؟ هذا ما سيتبين خلال الأشهر الثقيلة والسنوات الصعبة القادمة!