لماذا أشعر بخطر عظيم كلما قرأت عن خطط وزارة الدفاع المتعلقة بأمن أميركا القومي المستقبلي؟ فقد خصتنا مؤخراً صحيفة "نيويورك تايمز" بعينة مما كنا نسميه أنا وزملائي من الصحفيين الجدد في مؤسسات شيكاغو الصحفية بـ "المثلث الحديدي". والمقصود بتلك العبارة الحظر المشدد المضروب على اقتحام ذلك النوع من الأخبار والمواد الصحفية التي يعتقد أنها تهم القارئ، ولكن عادة ما لا يتم تناقلها إلا في الحدود الضيقة لثالوث المراسل والمحرر والمصدر الصحفي. وكنا عموماً شديدي القلق إزاء ما يصدر عن ذلك "الثالوث المحرم" لكونه لا ينتج في تلك الأيام سوى أنصاف الأخبار الرسمية الجافة عديمة القيمة في معظم الأحيان. كما تتحول هذه الأخبار والمواد بسرعة إلى روتين صحفي ممل يمارسه المراسل يومياً، إلى جانب كونها جزءاً من نظام تآمري ضيق ومغلق على نفسه، تشارك فيه الأطراف الثلاثة المعنية في تحديد ما هو مهم، بقدر ما تشارك في إحباط توقعات القارئ وخياراته، وخاصة في حال صدور تلك الأخبار عن مجلس إدارة مدرسة ما، أو من قبل قسم من أقسام الشرطة. ولكن في حال صدور الأخبار نفسها من جهة قيادية مثل وزارة الدفاع "البنتاجون"، فإن الاستجابة لها تكون مختلفة جداً، لأنها أخبار تتعلق بمستقبل أمن أميركا وتطلعات الجنس البشري عامة إلى السلام والاستقرار، وغير ذلك من الأهداف التي تصرف من أجلها تريليونات الدولارات! والحق أنه لا ينبغي لهذا النوع من الأخبار أن يتحول إلى روتين عمل يومي ممل، أو أن يقتصر على فئة واحدة فحسب من مصادر المعلومات. وهذا الاعتقاد الشخصي هو منشأ خلافي مع مقال "توم شانكر" المنشور بصحيفة "نيويورك تايمز" الصادرة بتاريخ 23 يونيو المنصرم، مع العلم أن المقال المذكور تناول التحولات الجارية في المستوى الفكري القيادي بشأن طبيعة الحروب المستقبلية التي يتعين علينا الاستعداد لها. ففي منظوره الضيق، لا يعدو ذلك المقال عن كونه جزءاً من نمط التفكير الحربي السائد الذي يسمم أجواء الحوار القومي العام الدائر في أميركا عن موضوعي الحرب والسلام. فعندما قرأت ما كتبه "شانكر" عن موقف استراتيجيات وزير الدفاع "روبرت جيتس" القائمة على فكرة "الهجين الحربي" بحيث تكون حروب المستقبل خليطاً من الحروب التقليدية والمناوشات والمعارك الصغيرة، وشن الحملات العسكرية ضد المتمردين والإرهابيين المتخفين، وجدت نفسي أوضح إدراكاً لما هو غائب عن المقال، أكثر بكثير مما هو حاضر فيه. وبدا لي أن المشكلة ليست فجوة أو نقصاً في توازن التغطية وإعداد التقارير الصحفية، بقدر ما هي متعلقة بنقص في الإطار الأوسع للتحليل. كما شعرت بغياب الوعي -ليس فقط فيما يتصل بالحروب وحدها، وإنما التخطيط الحربي، وخاصة للحروب الأميركية المستقبلية- بحقيقة أن الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة، تكون لها تداعيات تمس البشرية كلها، وتؤثر على حياة أجيالها اللاحقة. فكيف لنا أن نخفق في حساب هذه التداعيات، مع كل هذا التراكم المعرفي الحاصل بعد مضي 10 آلاف سنة من تاريخ الحروب؟ وفي تقديري الشخصي أن مسؤولي "البنتاجون" ومخططيه لن يتمكنوا من مد أبصارهم أكثر مما هم منهمكون فيه ضمن مثلث المال والسلاح والتقاليد الحربية، ثم فيما بعد إيجاد عدو ما يجعلون منه هدفاً لذلك المثلث في كل مرة. بيد أن مسؤولية الصحافة باعتبارها سلطة رابعة هي تغطية الأخبار والحصول على المعلومات بعيداً عن دوائر ودهاليز المؤسسات الرسمية. فبذلك وحده تتحمل الصحافة مسؤولية تقييم التداعيات الناشئة عن قرارات وأفعال من بيده السلطة والقوة، مع العلم أن هذا "القوي"، صانع القرار، قد يظهر هو نفسه عجزاً واضحاً عن التصدي لتداعيات ما يصدر عنه من قرارات وأفعال. وفيما لو سلك المراسلون الصحفيون أي طريق آخر للحصول على المعلومات عبر المؤسسات غير الرسمية، فإن من المرجح سقوطهم في فخ الجهل الرسمي كذلك. ومن بين ما ورد في المقال المنشور بصحيفة "نيويورك تايمز" على سبيل المثال: "إن القصد من التحول الاستراتيجي نحو التخطيط لـ(الحروب الهجينة) هو طمأنة المواطنين على قدرة الجيش الأميركي على التصدي لمجموعة من المهددات الأمنية بما فيها: الهجمات على شبكات الكمبيوتر، والمحاولات الهادفة إلى تعطيل نظم تحديد المواقع العالمية بواسطة الأقمار الاصطناعية، وتوجيه الضربات الصاروخية دقيقة التسديد، وشن الهجمات بواسطة القنابل والمتفجرات المزروعة في جوانب الطرق، إضافة إلى تنظيم الحملات الدعائية المضادة عبر شبكات التلفزيون والإنترنت". ويمضي المقال ليتحفنا بما هو أكثر: "إن للاستراتيجية الدفاعية الجديدة انعكاسات كثيرة على التدريب ونشر القوات وشراء وتطوير الأسلحة وغيرها من الجوانب ذات الصلة بالتخطيط العسكري". ولا شك في صحة وأهمية كل ما ذكر آنفاً من عناصر خطة دفاع أميركا القومي الجديدة. لكن أن تأتي هذه العناصر بمعزل عن سياقها العام، ومن دون التساؤل القلق عن هدفها النهائي -وهو ليس شيئاً آخر سوى أمننا وسلامتنا القوميين، مع ضرورة ملاحظة أن عبارة "القومي" هنا لا تشير إلا إلى تلك الشريحة الصغيرة الضيقة التي تعيش داخل حدود الولايات المتحدة وحدها، مع نسيان الجزء الأعظم من البشرية الذي يقطن خارج حدود أميركا- فليس لنا من خيار آخر سوى تماهي آرائنا ووجهات نظرنا مع آراء ووجهات نظر المسؤولين الرسميين الذين صاغوا تلك الخطط الدفاعية القاصرة! وبما أن التخطيط الحربي السائد يقوم دائماً على فرضية وجود حرب أو حروب مستقبلية ما، فإن من الطبيعي أن تستمر دورة الحروب، بينما يستمر غياب الأمن الحقيقي، القائم على تعميق فهمنا لرغبات وتطلعات بقية شعوب العالم وتوطيد علاقاتنا بها، وهذا ما يحتم على الصحافة أن تخطو خطوة جادة نحو تفكيك أضلاع ذلك "المثلث الحديدي". روبرت سي كوهلر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيس"