أثار خبر عبور غواصة إسرائيلية قادرة على حمل صواريخ محملة برؤوس نووية في قناة السويس من البحر الأبيض المتوسط الى البحر الأحمر حوارا بين مجموعة من السياسيين المصريين. تركز الحوار حول الاحتمالات القائمة، وهل يمكن القول إن الظروف الدولية والإقليمية قد نضجت إلى حد توجيه ضربة عسكرية نووية للمنشآت النووية الإيرانية الكائنة على أعماق سحيقة تحت الأرض؟ ربط أحد المتحدثين بين تصريح نائب الرئيس الأميركي وبين عبور الغواصة الإسرائيلية قائلا إن هذا التصريح يمثل أول ضوء أخضر أميركي لإسرائيل بالتصرف، وهو أمر لم تقم به إدارة بوش و"المحافظون الجدد" الذين كانوا متعطشين للحروب. للتذكرة كان بايدن قد قال لقناة "إيه. بي. سي": "إذا قررت حكومة نتانياهو خطة تحرك مخالفة للخطة الحالية، فهذا حقها السيادي، وهذا أمر لا دخل لنا فيه، فلا يمكننا أن نملي على دولة أخرى ذات سيادة ما يمكنها عمله أو عدم عمله إذا قررت أن وجودها مهدد". سألت أصدقائي السياسيين: هل يمكن أن توافقوا على تصوري بأن هدف هذا التصريح وهدف عبور الغواصة في اتجاه مناسب لمهاجمة إيران هو ممارسة الضغط الشديد من الخارج على إيران لتحقيق الانفجار من الداخل؟ وأردفت موضحاً أساس التصور بقولي إنني أعتقد أن العبارات الاعتذارية التي أطلقها أوباما في خطابه الى المسلمين من جامعة القاهرة في الرابع من يونيو الماضي، والتي خص بها الشعب الإيراني عندما اعترف بخطأ تدخل الولايات المتحدة لتأييد الانقلاب على حكومة مصدق في الخمسينيات، كانت عبارات هادفة إلى دعم التيار "الإصلاحي" في الانتخابات الإيرانية، فهذا التيار هو الأكثر استعداداً للتقارب مع الغرب، غير أن هذه العبارات الاعتذارية لم تحقق هدفها في ضوء نجاح التيار المتشدد بقيادة نجاد وقمع الاحتجاجات الصادرة عن "الإصلاحيين". من هنا أعتقد أن سماح أوباما لنائبه بإطلاق الضوء الأخضر لإسرائيل مع التحركات العسكرية، هو نوع من الاستعراض العسكري الكاشف عن إرادة القتال والاستعداد له بهدف الضغط على الوضع لتشجيع التيار الإصلاحي، فإذا فشل هذا الهدف، فإن تحويل الاستعراض إلى عملية عسكرية فعلية لا يستغرق وقتاً طويلا. قال أحد الساسة الحاضرين هذا تصور قابل لأن يكون أصوب التصورات لما يجري، ومما يؤكده أن زيارة أوباما لموسكو يمكن أن تشمل نوعاً من التفاهم الأميركي- الروسي على مصالح تتحقق للروس مقابل اتخاذ موقف المتفرج، كما حدث مع حليفهم صدام عندما قرر الأميركيون الإطاحة به. شجعني هذا التعليق على القول إن المرحلة المقبلة ستشهد مجموعة تحركات هدفها الضغط على أعصاب النظام الحاكم في طهران بهدف دفعه إلى إبداء المرونة في الحوار الذي ما زال أوباما يمد يده به كلاعب شطرنج ماهر، حتى بعد التصريح الذي أدلى به نائبه، ولا شك أن المواقف الأوروبية الجديدة المتشددة في استنكار عمليات القمع ضد "الإصلاحيين" على لسان ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني هي مقدمة لعملية الضغط على الأعصاب. فعندما يقول الرئيس الفرنسي "حقاً إن شعب إيران يستحق زعماء أفضل من زعمائه اليوم"، فإن الضغط الناتج عن العبارة يتجاوز نقد أو إدانة سياسة القمع ويصل إلى التلميح الواضح بتفضيل خيار تبديل النظام الحاكم بنظام يستحقه الشعب الإيراني كما يراه ساركوزي، ويزيد الضغط إذا أضفنا إلى هذه التصريحات المتوالية من تل أبيب، ومن بينها تصريح "داني يعلون" نائب وزير الخارجية، الذي قال فيه "إن الولايات المتحدة مثل إسرائيل ترى في شكل واضح لا لبس فيه أن إيران يجب ألا تمتلك قدرة نووية عسكرية، وأن تنفيذ عملية عسكرية في إيران مسألة صعبة ومعقدة، وربما تكون لها عواقب وخيمة، وقد تلحق أضراراً بالغة، لكن هذا أقل خطورة وأقل تعقيداً بكثير من السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي". الإفصاح الإسرائيلي السالب عن هذه المفاضلة بين تحمل إسرائيل للعواقب الوخيمة في حالة ضرب إيران والمخاطر غير المحتملة للانتظار وتمكينها من امتلاك السلاح النووي، يمثل خطوة جديدة في الضغط على أعصاب طهران. فالمسؤول الإسرائيلي، الذي كان من قبل مسؤولا عسكرياً، يقول لصانع القرار في إيران إذا كنتم تهددون بالرد على ضربتنا، فإن الحساب الختامي سيكون في مصلحة إسرائيل، رغم الخسائر التي ستتعرض لها، حيث أن الثمن سيكون منعكم من التحول إلى قوة نووية. أعتقد إنه إذا تحول الاستعراض على عملية عسكرية، فإن الهجوم سيأتي من ناحية أفغانستان في الوقت الذي يحدث إيهام بأنه قادم عبر الأجواء العربية.