تمر أميركا اللاتينية اليوم بحالة من الاضطراب وعدم اليقين، كنتُ آمل ألا تعيشها منطقتنا مرة أخرى، غير أن الانقلاب الأخير في هندوراس، والذي زجّ بهذا البلد في أزمة دستورية عويصة، يمثل تذكيراً محزناً لنا جميعاً بأنه على الرغم من التقدم الذي حققته منطقتنا، إلا أن الأخطاء التي ارتكبناها في الماضي مازالت قريبة منا. ولئن كان زعماء منطقتنا قد طلبوا منّي لعب دور الوسيط في هذه الأزمة، فإنني أقول بهذه المناسبة إن علينا مرة أخرى أن نثق بأن الحوار الذي كثيراً ما يُستخف به باعتباره بطيئاً جداً أو بسيطاً جداً، هو الطريق الوحيد إلى السلام والضوء الذي يستطيع أن يهدينا في هذه الأوقات المظلمة. إن حلّ نزاع هندوراس هو هدف عزيز سيتحقق مع مرور الوقت، غير أننا لسنا في حاجة للنظر إلى المستقبل لنعرف أن هذا الحادث ينبغي أن يشكّل تحذيراً لبلدان المنطقة. كما علينا أن نعترف بأن هذه الأحداث ليست أعمالاً اعتباطية وعشوائية، وإنما هي نتيجة أخطاء ممنهجة وخطوات خاطئة كان الكثيرون منا يحذرون منها على مدى عقود. إنها الثمن الذي ندفعه بسبب أكبر حماقات منطقتنا: الإنفاق العسكري الطائش. إن هذا الانقلاب يُظهر مرة أخرى أن الجمع بين جيوش قوية وديمقراطيات هشة يمثل مزيجاً خطراً، ويُظهر مرة أخرى أنه إلى أن نقوم بإحداث توازن في هذا الخليط، فإننا سنترك دائماً الباب مفتوحاً أما الأشخاص الذين قد يحصلون على السلطة عبر القوة، سواء وافقت على ذلك الأغلبية أو البعض فقط، سواء قليلاً أو كثيراً. وعلاوة على ذلك، فإنه يُظهر ماذا يحدث حين تقوم حكوماتنا بصرف موارد مهمة على جيوشها، موارد كان يمكن استعمالها من أجل تمتين مؤسساتها الديمقراطية وبناء ثقافة احترام حقوق الإنسان ورفع مستويات التنمية البشرية. والحال أن مثل هذه الاختيارات المجنونة تضمن أن تكون ديمقراطية بلد من البلدان مثل محارة فارغة أو خطاب بلا معنى. فهذا العام فقط، تعتزم حكومات أميركا اللاتينية إنفاق ما يناهز 50 مليار دولار على جيوشها، وهو ما يمثل تقريبًا ضعف المبلغ الذي كانت تخصصه للغرض ذاته قبل خمس سنوات، مبلغ سخيف في منطقة يعيش نحو 200 مليون شخص من سكانها على أقل من دولارين في اليوم، وحيث كولومبيا هي البلد الوحيد الذي يخوض نزاعاً مسلحاً. والحال أن مزيداً من الطائرات القتالية والصواريخ والجنود، لن يوفر مزيداً من القوت لعائلاتنا، ولا مزيداً من الطاولات لمدارسنا، ولا مزيداً من الأدوية لمستشفياتنا... بل إن كل ما يمكن أن يفعله هو زعزعة استقرار منطقة مازالت تنظر إلى القوات المسلحة باعتبارها الحَكم الأخير للنزاعات الاجتماعية. إن هذه الأمور يعرفها القاصي والداني. إنها أولويات محرَّفة وغير حقيقية أمضى الكثيرون منا سنوات يجاهد من أجل تغييرها، أولويات دفعت حكومةَ بلدي إلى التقدم بـ"اقتراح كوستاريكا"، الذي يقضي بخلق آليات من أجل محو ديون البلدان النامية التي تنفق أكثر على التعليم والصحة والإسكان والبيئة وتقديم المساعدات الدولية لها، وتنفق أقل على الأسلحة والحرب. وهي مبادرة من شأنها أن تخدم هدف الدفاع عن حقوق الإنسان وحماية الديمقراطيات الإقليمية أكثر من أي اتفاق أو إعلان من قبل. في لحظة من لحظات تاريخ الأميركتين، كانت الأسلحة والجيوش مرتبطةً بالحرية والاستقلال، وكانت مرتبطة بفرص جديدة لشعوبنا، وفي لحظة من لحظات تاريخ الأميركتين، كانت هناك جيوش تحرير. لكننا اليوم نرى قصصاً كثيرةً جداً من الظلم والاستبداد، وانتهاكات حقوق الإنسان، وزعزعة الاستقرار السياسي... قصص كانت الجيوش متورطة فيها. إن جيش التحرير، الذي نحتاجه في الأميركتين اليوم، هو جيش من الزعماء الذين يجتمعون في سلام وفي روح من التعاون. فنحن في حاجة إلى جيش من الأطباء والمعلمين، وجيش من المهندسين والعلماء. إننا في حاجة إلى قوة تدرك أنه فقط عبر التنمية والحرية، وعبر التعليم والرعاية الطبية، وعبر أولويات أفضل واستثمارات أذكى... نستطيع بلوغ الاستقرار الذي ننشده. قبل عقدين من اليوم، عندما اقترحتُ مخطط سلام يرمي إلى إنهاء أعمال العنف التي كانت تجتاح منطقتنا، كنت أحلم بأميركا وسطى تتبنى هذه المبادئ وتحتضنها، وكنت آمل أن تصبح أميركا الوسطى أولَ منطقة منزوعة السلاح في العالم. والواقع أنه على الرغم من كل التحسن والمكاسب الكبيرة التي حققناها منذ ذلك الوقت، إلا أن الأحداث المؤسفة التي شهدتها هندوراس مؤخراً تؤكد أن حلم السلام هذا مازال ملحاً ومازال يمثل تحدياً كبيراً. إن الأشخاص الذين يسعون منا إلى حماية الديمقراطيات في الأميركتين ليس لديهم وقت ليضيعونه. وعليه، فإنني أدعو كل الزعماء في الأميركتين إلى النظر إلى الأزمة الهندوراسية على حقيقيتها: أي أنها دعوة ملحة إلى القيام بالإصلاحات الاجتماعية والدستورية العميقة التي طالما قامت منطقتُنا بتأجيلها. ------ أوسكار أرياس رئيس كوستاريكا، حائز جائزة نوبل للسلام عام 1987 ------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"