بتمكن دبلوماسية الإمارات من الفوز باستضافة المقر الرئيسي للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا)، ومع اقتراب نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تجد الإمارات نفسها في عالم يختلف إلى حد كبير عن ذلك الذي كان متواجداً عند قيام الدولة الاتحادية في 2 ديسمبر 1971. ورغم أن العالم المعاصر يبدو مربكاً، وغير ممكن متابعة كل ما يدور فيه بدقة قبل أن تصبح الأحداث ماضياً، أي جزءا من التاريخ نستطيع أن نرى فيها عناصر قوية من الاستمرارية، فإن تمكن دبلوماسية الإمارات المكوكية التي جرت على مستوى العالم من إقناع معظم دوله بأن العاصمة الاتحادية للإمارات أبوظبي هي المكان المناسب لاستضافة مقر "إيرينا"، يعد إنجازاً تاريخياً سيحفظه تاريخ العالم في سجل ذهبي للإمارات وأهلها. بالنسبة لكافة دول العالم، تكون الشؤون الجارية غير مستوعبة حينما لا تبدو للناظر إليها على أنها حبال متصلة ومنسوجة مع سياسات الماضي. وبالنسبة للسياسة الخارجية للإمارات بالتحديد، تبدو العديد من حبال الماضي، وكأنها قد تقطعت بسبب الأحداث التي جرت في السنوات القريبة الماضية. ورغم أن الأمور تبدو الآن وكأنها تسير ضمن النسق العادي لحركة التاريخ بالنسبة لدولة في طور النمو كالإمارات، فإن وضع هدف استراتيجي عالمي طموح كاستضافة مقر "إيرينا" والتمكن من تحقيقه وبالشكل المدروس والمخطط له الذي حدث، يُعد كسراً للنسق العادي لحركة التاريخ، خاصة وأن المنافسين جاءوا من القارة العجوز أوروبا التي نادراً ما تعجز دولها عن تحقيق أهداف سياساتها الخارجية، ولم تستطع دولة من العالم النامي منافسة أي منها في أمور بسيطة، فما بالك الفوز باستضافة مقر دائم لوكالة دولية من حجم "إيرينا"، التي سيحتاج العالم أجمع إلى حد خدماتها؟ لذلك من المهم التأكيد على أن المرحلة الحالية والسنوات القليلة القادمة ستكون المرحلة المناسبة التي ستحدث فيها تغيرات مشهودة في السياسة الخارجية للإمارات والدبلوماسية التي تنفذها، وربما أن نقطة البدء هي استضافة مقر "إيرينا". صنع السياسة الخارجية للإمارات في السنوات القليلة القادمة، ونحن الآن في منتصف 2009 لن يصبح جديداً فقط بسبب التغيرات الحتمية التي من المفترض أن تحدث مع دوران عجلة التاريخ، بل لأن الطموحات التي يراد تحقيقها قد تغيرت طبيعتها ونطاقها، وأصبحت أكثر جدية وحيوية واستهدافاً لتحقيق أمن هذا العالم أجمع ورفاهية شعوبه في كل مكان على وجه البسيطة. وما يشير إليه استضافة مقر إيرينا كبداية هو أن دبلوماسية الإمارات وسياستها الخارجية وضعت لنفسها أهدافاً ومناهج تطال عمليات سياسية وحسابات هي ذات وضع أو نظام مختلف عن أي شيء آخر تمت ممارسته في الماضي، ويبدو من ذلك أن دبلوماسية الإمارات وسياستها الخارجية تدركان بأن عالم اليوم لم يتغير لأن الحرب الباردة، قد ولّت أو أن الاتحاد السوفييتي قد انهار، أو لأن نظامي الشاه وصدام قد سقطا وتغيرت نتيجة لذلك موازين القوى في الخليج لأكثر من مرة، ولكن لأن مفاهيم قوة الدول وقدرتها على التحرك والتأثير في شؤون العالم هي التي تغيرت وأصبحت وسائل حيازتها ذات نمط جديد، ليس له علاقة بالقوة العسكرية المفرطة أو غير ذلك من أمور تقليدية. لقد أصبحت دبلوماسية الإمارات مُلمة بأن الواقع يشير إلى أن الأحداث الدرامية التي تقع على مدار العالم ليست سوى أعراض أكثر من كونها أسبابا أكثر عمقاً في طبيعة السياسات الدولية ولبعض من أهم التغيرات التي حدثت في العديد من دول العالم، ونتيجة لذلك أدرك المسؤولون عن رسم السياسة الخارجية للإمارات وتنفيذها بأن عليهم المسك بأطراف خيوط كل ما هو جديد، وبالطريقة التي يمكن بها أن تؤثر في مستقبل السياسة الخارجية وإعطاءها حق قدرها، وبأن من الضروري الأخذ بعين الاعتبار فهم جميع الأنماط التي استخدمت على مدى العقود الأربعة الماضية والقيام بتغييرها ضمن الإمكانيات والقدرات المتاحة. استضافة مقر "إيرينا" تفصح عن أن الإمارات تعلم بأنها تواجه عالماً مزودجاً من حيث كونه مختلفا من جانب ومتجانسا من جانب آخر أكثر من أي وقت مضى، فقد شهدت الفترة الماضية منذ قيام الدولة الاتحادية التطورات السريعة للاختلافات الكبرى في الانحيازات السياسية التي شكلت النظام الدولي السابق حتى لحظة انهياره، وربما لايزال لبعض جوانبها دور في مسار الوضع الدولي الحالي. وهذا يعني أن الإمارات تعلم بأن عالم اليوم لا يزال هو عالم الدولة الوطنية الذي تكون فيه تصرفات السيادة مدعومة بالقوة التي يمكن لها إظهارها، وهذا أمر يوفر إطار العمل المناسب الذي يمكن ضمنه السماح للعمليات السياسية المتعددة أن تظهر، وبأن قوة الدولة لم تعد تعتمد على القوة العسكرية المجردة فهذه المفاهيم انحسرت، وأصبحت للقوة معاني جديدة. وربما أن المنظمات الدولية التي يطال عملها حياة البشر اليومية كـ"إيرينا" أحد منابر إظهارها وممارستها.