يمر العراق في الوقت الحالي بمرحلة انتقالية تتمثل في انسحاب أو إعادة انتشار القوات الأميركية المقاتلة من المدن، وتمركزها في عدد من القواعد العسكرية خارج المدن العراقية. وكان هناك، ولايزال، شعور بأن ثمة نوعاً من الفراغ الأمني الذي سيحدث نتيجة لمثل هذا الانسحاب، خاصة أن قوات الجيش العراقي التي تم تشكيلها خلال السنوات الثلاث الماضية، لاتزال تعاني من نقص في التشكيلات العسكرية، ونقص في التدريب الميداني، وإشكالات عديدة أخرى، خاصة بولاءات حزبية وطائفية تقلّص من القدرات القتالية والإدارية والمهنية لهذه القوات. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يزداد حجم العمليات الإرهابية والتفجيرات الموجهة ضد المدنيين في شمال العراق، وفي العاصمة بغداد. وزاد عدد الضحايا خلال شهر يونيو المنصرم إلى أكثر من 400 قتيل وعدد كبير من الجرحى، نتيجة لمثل هذه العمليات. وبذلك يكون عدد الضحايا قد فاق أكثر من ضعف العدد للشهر الذي سبقه، هذا على رغم إعلان بعض القوى السياسية في العراق أن قوات المقاومة لن تستهدف أفراد الجيش والشرطة العراقيين، باعتبارهم قوة وطنية، ولإنجاح عملية الانسحاب الأميركي توطئة لانسحاب لاحق أكبر سيأتي بعد نهاية عام 2010. والإشكالية التي تواجه الساسة والمخططين العراقيين هي كيفية التعامل مع هذه المرحلة الانتقالية الحرجة. فالنخبة السياسية الحاكمة التي تقلدت السلطة في زمن الاحتلال، يبدو أنها غير قادرة على التعامل مع فترة يبزغ فيها فجر الاستقلال الموعود، خشية من فقدان جزء من مصالحها السياسية، أو خوفاً من ظهور طبقة سياسية وطنية جديدة، تنافسها على المناصب والمغانم السياسية. وحين زار نائب الرئيس الأميركي "جون بايدن" بغداد صبيحة الرابع من يوليو الحالي، وصرّح بأن هناك حاجة لحوار سياسي عراقي داخلي من أجل تفعيل المصالحة الوطنية، قوبل هذا التصريح برفض من الحكومة العراقية. وقال المتحدث باسمها إن المصالحة شأن داخلي عراقي ولا نرغب من ممثلي الحكومة الأميركية أن يتدخلوا في الشؤون الداخلية للعراق، على رغم أن منطق الأشياء يقول إن الولايات المتحدة هي المسؤول الأول عما أحاط بالعراق من دمار ومآسٍ خلال الأعوام العشرين الماضية، خاصة خلال سنوات الاحتلال، ولذلك يجب ألا تترك العراق إلا حين تستقر الأحوال السياسية فيه. علماً بأن الإرث القانوني الذي سن خلال سنوات الاحتلال، خاصة دستور عام 2005، يمثل مهزلة حقيقية، حيث انتهت فيه سلطة الدولة المركزية، وتحول فيه العراق إلى دولة كونفدرالية، ذات سلطة مركزية ضعيفة، وتمارس فيه الأطراف والسلطات المحلية دوراً أسمى من دور الحكومة المركزية، سواءً في النواحي الاقتصادية أو السياسية والقانونية. وكان الأحرى بالحكومة العراقية أن ترحب بطرح نائب الرئيس "بايدن". غير أن تحفظ الحكومة العراقية ربما انبثق من تخوف من أن يكون "بايدن" مازال يحتفظ في جعبته بالبديل الذي أعلنه قبل عام ونصف العام، والذي ينص على تقسيم العراق إلى وحدات سياسية شبه مستقلة، في حال فشل الحكومة المركزية في بسط نفوذها وسيطرتها على المدن والقصبات العراقية، خاصة في مناطق الشمال والجنوب، والغرب. وكانت هناك شائعات عدّة سبقت زيارة "بايدن" تذكر بتحضيرات تجرى في واشنطن لاستضافة عدد من القوى العراقية المختلفة. وذُكر أن ممثلاً دبلوماسياً للحكومة الأميركية قد التقى سراً عدداً من مساعدي نائب رئيس الجمهورية السابق (عزت الدوري)، الذي يعتقد على نطاق واسع أنه يتزعم جزءاً من حركة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال في العراق. وكل هذه الإشارات، ربما دفعت ممثلي الحكومة العراقية الحالية إلى رفض مقترحات "بايدن" لعقد مثل هذا المؤتمر من أجل المصالحة الوطنية. والحقيقة أن الحكومة العراقية بحاجة إلى مساعدة أصدقاء العراق والدول الشقيقة له في إيجاد مخرج للأزمات السياسية التي تعصف به. فإقليم كردستان سيعلن في الخامس والعشرين من الشهر الجاري دستوره الخاص بالإقليم الشمالي، وسيعرضه على الناخبين من أجل الاستفتاء العام. وهناك أجزاء متعددة من هذا الدستور، خاصة في تعريفه لحدود الإقليم الكردي، ربما تتعارض مع نصوص الدستور العراقي المركزي. كما أن مصير منطقة كركوك مازال يتأرجح يمنة ويسرة في ظل رفض الحكومة المحلية لإجراء انتخابات محلية خلال هذا الصيف، سابقة للانتخابات العامة التي ستعقد في نهاية العام الجاري، على رغم الضغوط التي يمارسها رئيس الوزراء نوري المالكي. والحال أن العراق في حاجة إلى دعم جيرانه ومحبيه رأفة بمصير المئات من أفراد الشعب العراقي من المدنيين الذين يقتلون بدون وجه حق على أساس الهوية. بينما تهتم الولايات المتحدة بمصير الأكراد والتركمان خشية من اندلاع مواجهات بين الجيش العراقي الوليد وقوات البشمرجة، وهو ما قد يدفع بالقوات التركية إلى التدخل، في حال، لا سمح الله، تدهورت الأوضاع الأمنية بشكل كبير. وما تخشاه الإدارة الأميركية هو صراع عسكري بين حلفائها الثلاثة، تركيا، والحكومة العراقية، والقوات الكردية. ولذلك فهي تحاول تهدئة الأمور في شمال العراق على وجه الخصوص، غير آبهةٍ بالصراعات الطائفية والمذهبية الأخرى التي تهدد بقية أنحاء هذا البلد. ويمكن لجيران العراق أن يدعوا إلى مؤتمرات إقليمية تحضرها سائر أطياف المعارضة العراقية مع ممثلين من الحكومة العراقية الحالية، وممثلين لسائر الطوائف والمذاهب والأقليات العراقية. وليكن ذلك بإشراف ودعم من الجامعة العربية، أو من منظمة المؤتمر الإسلامي، ويكون الهدف الرئيسي هو إيجاد توافق عراقي عريض يخدم مصالح العراق وشعبه ويجنبه هذه العمليات الإرهابية التي يروح ضحيتها العديد من الأبرياء. وثمة بلدان أخرى مرت بالتجربة نفسها، فعلى سبيل المثال مرّت جنوب إفريقيا بمرحلة مريرة من الفصل العنصري بين البيض والسود. وحين استقل شعب جنوب إفريقيا وحصلت على اعتراف عالمي بها، واعتلى مانديلا السلطة في بريتوريا، لم يعلن حرباً على البيض، أو يقصِ الجماعات البيضاء من المناصب السياسية والعسكرية، كما فعلت الحكومة العراقية عام 2003، بل سعت حكومة جنوب إفريقيا الجديدة حينها إلى بسط يدها لكافة فئات الشعب، بمن فيهم من البيض والسود والهنود وغيرهم للعمل معاً من أجل رفعة البلاد، ولم يكن الوفاق الوطني والمصالحة مجرد شعارين يرفعان فقط، بل كانت ثمة مؤتمرات تعقد في جميع المدن الرئيسية، حتى يطمئن الجميع بأن انتهاء سياسة الفصل العنصري في البلاد لا يعني إقصاءً لمواطنين بعينهم، أو عزلهم اجتماعياً، واستعلاء جماعات إثنية أخرى معينة؛ لأن البلاد تحتاج إلى جميع خبرات مواطنيها وموظفيها وتجارها. وهكذا نجحت جنوب إفريقيا في مسيرة المصالحة الوطنية، بينما فشلت بلدان مجاورة لها؛ لأنها لم تعتمد السياسة الحكيمة نفسها التي اتبعها مانديلا. لا نطلب من الحكومة العراقية أن تصل إلى درجة حكمة مانديلا ورفاقه، ولكننا نذكّرها بأن العراق يعيش مرحلة انتقالية عسيرة، وأن خطوات البناء لن تنجح في وجود العديد من القوى التي تتربص بأمن العراق واستقلاله، بل إن مستقبل العراق يتطلب عملاً حقيقياً وإرادة سياسية تسمو بمصالح الوطن الذي دمرته الحروب وعدم الاستقرار، كي توصل السفينة وراكبيها إلى بر الاستقرار والأمان لشعب يستحق الحياة والتقدم.