طرحت الانتخابات الأخيرة في لبنان، التي مرت بسلام، والانتخابات الأخيرة في إيران، التي عقبتها تجاذبات قد لا تحمد عقباها، سؤالًا أصيلاً عن الديمقراطية، هل هي كم أم كيف؟ هل هي كتلة عددية أم تنوع كيفي؟ فقد تعود العالم كله على نوع واحد من الديمقراطية، هو الديمقراطية الغربية التي ذاع صيتها، وانتشرت خارج حدودها بانتشار ثقافة المركز إلى الأطراف، وقوة إبداع المركز ونقل الأطراف. هي الديمقراطية الكمية بناء على رجل واحد، وصوت واحد، سواء أكانت ديمقراطية تمثيلية، ينتخب الشعب فيها من يمثلونه، أو ديمقراطية مباشرة دون وسيط بمؤتمرات شعبية عامة، حتى لا يعمل الوسيط لصالحه أو يُشترى صوته، سواء أكانت ديمقراطية برلمانية، بانتخاب الشعب لمن يمثلونه داخل برلمان وتشكيل حكومة مسؤولة أمامه أو ديمقراطية رئاسية لا تحتاج إلى برلمان ما دام الرئيس قد تم اختياره بالاقتراع العام. وفي كل الحالات هي ديمقراطية تقوم على قسمة المجتمع مباشرة أو من خلال أصوات ناخبيه إلى أغلبية وأقلية، أغلبية في الحكم وأقلية في المعارضة، وتداول السلطة بينهما، كما هي الحال بين حزبي "الجمهوريين" و"الديمقراطيين" في الولايات المتحدة الأميركية، وبين حزبي "العمال" و"المحافظين" في المملكة المتحدة، منتصر ومهزوم، فرح وحزين، في نهاية كل استحقاق انتخابي. وبذلك تصبح الديمقراطية وكأنها غاية في ذاتها وليست وسيلة لتحقيق برنامج وطني قد لا تختلف عليه الأحزاب في جوهره بل تختلف فقط في وسائل تحقيقه. وفي المحصلة، تصبح السلطة هدفاً في حد ذاته وليست وسيلة لتحقيق برنامج وطني معين قد تلتقي لديه الأحزاب المتصارعة. وعملياً، قد لا يكون هناك فرق بين "الديمقراطيين" و"الجمهوريين" في الولايات المتحدة أو بين "العمال" و"المحافظين" في المملكة المتحدة، وهما الحزبان الكبيران المتصارعان المتداولان على السلطة، في كلتا الحالتين. وبالعودة إلى ما حدث أخيراً في لبنان، فقد كسبت الموالاة بعدد أصوات المرشحين وخسرت المعارضة. ولكن العيب في النظام الانتخابي، نظام الدوائر. وحدث الشيء نفسه في الانتخابات في إيران بطريقة أخرى. فعلى رغم النتائج الرسمية التي أكدت نجاح مرشح المحافظين الرئيس محمود أحمدي نجاد وخسارة مرشح الإصلاحيين مير حسين موسوي، إلا أن الشارع الإيراني منقسم على نفسه بين محافظين وإصلاحيين. واتهام الأول لأنصار الثاني بالشغب وتهديد الأمن، واتهام الثاني لأنصار الأول بالتزوير والتلاعب بصناديق الانتخاب. وبهذه الكيفية، انقسم الشعب على نفسه إلى فريقين. وقد تتدخل القوى الأجنبية من هذه الثغرة، ويشق الصف الوطني. لذلك يلتزم الفريقان بقائد الثورة الأول الإمام الخميني، أو بالولي الفقيه على خامنئي. وكل بشر في النهاية يخطئ ويصيب. له أهواؤه وميوله مهما تجرد للحق وراعى العدل. والتحدي الأكبر بالنسبة للوطن العربي والعالم الإسلامي والعالم الثالث كله، هو كيفية الإبداع الديمقراطي. فالديمقراطية في بدايتها قبل أن تكون أشكالًا سياسية هي رؤية كيفية ضد التسلط بالرأي والانفراد بالقرار. وقد يأخذ ذلك صورة كمية في تعددية حزبية أو في حزب واحد متعدد الاتجاهات، كما أبدع العالم الثالث. وكلا النظامين لم يسلما من التسلط، تسلط الأغلبية أو تسلط الزعيم على الحزب. والتحدي الكبير هو: لماذا البقاء في الديمقراطية الكمية التمثيلية بين أغلبية ومعارضة؟ لماذا عدم التوجه إلى ديمقراطية كيفية تجمع بين الاثنتين، بين الأغلبية والأقلية، بين الموالاة والمعارضة في لبنان، وبين المحافظة والإصلاح في إيران؟ كلاهما طرف في معادلة واحدة. لماذا لا تتكون حكومة ائتلافية منهما معاً، وكلاهما فريق في الوطن. إن الخطورة لدينا ليست في الموقف السياسي لكل فريق، بل في الثقافة السياسية الجامعة لهما معاً، ثقافة "الفرقة الناجية"، أن الحق في جانب واحد، والجانب الآخر، واحداً كان أم متعدداً، هالك ضال. وبالتالي تتحول المعركة الخارجية ضد الاستعمار والصهيونية إلى معركة داخلية بين محافظين وإصلاحيين، جمعاً بين المثال والواقع، بين الحق والعدل. فالحياة السياسية لها رئتان حتى لا يتحشرج الصوت. ولها ساقان حتى لا تكون عرجاء. ولها عينان حتى لا تكون عوراء، ولها يدان حتى لا تكون بتراء. لذلك ميز القرآن بين الاختلاف والخلاف. الاختلاف صحي، طبيعي بين البشر، وفي مظاهر الطبيعة، النبات والحيوان، وفي الألسنة والأقوام والعادات والتقاليد بل والأديان. أما الخلاف فهو غير صحي. هو التنازع الذي وقع فيه أهل الكتاب، والتكفير المتبادل إلى حد الاقتتال. الديمقراطية الكيفية هي ضد التفرد بالرأي، والتسلط على رقاب الناس، وقهر عقولهم. وهي ما سُمي في تراثنا القديم الشورى، أي التشاور والمشورة، واستطلاع الرأي الآخر وليس معاداته. وشكلها البيعة أي الثقة بواحد من الناس ومبايعته دون أن يطلبها أحد لنفسه، أو أن يبايع أحد آخر فرداً آخر، حتى لا ينقسم الناس بين مرشحين كلاهما فاضل. ومن يقوم بالبيعة هم أهل الحل والعقد، أي العلماء في الأمة أي أهل الاختصاص في شؤون الدولة، في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتعليم والشؤون المدنية. هي النخبة المتعلمة، ربما، حتى لا يترك الشأن العام إلى غير المتخصصين، ومساواة العالم بغير العالم. فمن علامات يوم القيامة أن يوسد هذا الأمر إلى غير أهله، وأن يتحكم في الأمة الجاهلون لا العالمون، (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ). هذا ليس دفاعاً عن شكل معين من أشكال الديمقراطية، بل عن روح الديمقراطية نفسها من أجل التحول من الديمقراطية الكمية إلى الديمقراطية الكيفية، وتجاوز الديمقراطية الأحادية إلى الديمقراطية الائتلافية في الحكم. وبالتالي، ينتهي الصراع بين أغلبية وأقلية، بين حكومة ومعارضة، بين منتصر ومهزوم، بين فرح ومحزون. إن تراكم الخبرة النظرية والعملية وتكرارها هو بداية الإبداع في الفكر السياسي. فقد تم نقد الديمقراطية الكمية نفسها وتحولها من وسيلة إلى غاية، ومن مضمون إلى شكل. والتحدي الآن في لبنان وإيران هو تجاوز التقليد، تقليد الديمقراطية الكمية الغربية وتقليد ولاية الفقيه. فالنظام الدستوري به ما يحميه من خلال المؤسسات وليس الأفراد أو الجيوش. الديمقراطية الكمية ليست أقنوماً جديداً كالحاكمية، بل هي أحد أشكال تجاوز التفرد بالرأي دون أن تكون الشكل الوحيد.