إن كان من تأثير "إيجابي" للركود الاقتصادي الكبير، تأثير تقول استطلاعات الرأي إنه سيروق لمعظم الأميركيين، فهو تراجع أعداد المهاجرين السريين الذين دأبوا طيلة السنوات الماضية على عبور الحدود الجنوبية للولايات المتحدة والاستقرار في الولايات المتاخمة للحدود مع المكسيك. فحسب تقديرات "ستيفين كامروتا"، الخبير الاقتصادي بـ "مركز دراسات الهجرة" بواشنطن، تعرف البلاد حاليًا تراجعاً ملحوظاً في أعداد المهاجرين بعد مغادرة نسبة منهم للأراضي الأميركية، كما أن أعداد المهاجرين المتسللين عبر الحدود تقلصت إلى 200 ألف مهاجر خلال العام الحالي مقارنة بـ500 ألف مهاجر سنوياً خلال السنوات السابقة، وطبقاً لهذه التقديرات يكون العدد الإجمالي للمهاجرين في أميركا قد تراجع من 12 مليونا في شهر فبراير من عام 2007 إلى 11 مليونا خلال الشهر نفسه من العالم الحالي. فهل سيكون لهذا التغير الذي تشهده الهجرة، بالنظر إلى الركود الاقتصادي وانعدام فرص العمل، تأثير على النقاش العام في أميركا؟ وهل سيقود ذلك إلى تعديل السياسات المتبعة حالياً؟ في الحقيقة لا يمكن إنكار الدور الذي يلعبه الانكماش الاقتصادي في توجيه مسار الهجرة وعلاقتها بالوضعية الاقتصادية العامة لأميركا، لكن الأهم من ذلك هو إضعاف التبرير الذي عادة ما يسوقه المدافعون من أن المهاجرين لا يؤثرون على الوظائف ما داموا يمتهنون أعمالا لا يقوم بها الأميركيون، فلو صدقت مقولتهم فلماذا إذن يفقد المهاجرون وظائفهم؟ ولماذا يعودون أدراجهم إلى بلادهم الأصلية؟ حسب استطلاع واسع للرأي أجراه "مركز دراسات الهجرة" بواشنطن، وشمل 4.7 مليون عامل أميركي، وضم مهناً مختلفة تصل إلى 465 وظيفة، فقد تبين من إجابات المستجوبين على السؤال عما إذا كانوا من مواليد الولايات المتحدة، أن معظم الوظائف التي يرجعها المراقبون إلى المهاجرين يتقلدها أشخاص ولدوا في أميركا ولا فرق في ذلك بين تنظيف البيوت والشوارع وبين باقي المهن، ولم يتفوق المهاجرون على الأميركيين سوى في جني المحاصيل الزراعية والعمل في الحقول، حيث حافظ المهاجرون على أغلبية بسيطة. وبالطبع لا يمكن التركيز فقط على العامل الاقتصادي أثناء مناقشة قضية الهجرة إذ لا يخفى الجانب السياسي وما يضطلع به من دور حاسم في مقاربة موضوع الهجرة وما يثيره من هواجس لدى بعض فئات الرأي العام الأميركي. فعلى سبيل المثال تشير الإحصاءات إلى أنه من بين مليون مهاجر يتم تجنيسهم سنوياً في الولايات المتحدة، هناك 300 ألف منهم يصبحون "ديمقراطيين". هذه الحقيقة قد تساعدنا على الأقل في تفسير لماذا عارضت رئيسة الأغلبية في الكونجرس الديمقراطية، "نانسي بيلوسي" تمرير أي قانون يقترحه الجمهوريون للحد من الهجرة، وفي نفس السياق يمكن الإشارة أيضاً إلى تدخل زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، "هاري ريد"، من نيفادا، لصالح منح المهاجرين عفواً عاماً وفتح الباب أمامهم للحصول على الجنسية الأميركية، وهي الخطوة التي يعتبرها الكثير من منتقدي الهجرة بمثابة استسلام تام للديمقراطيين في مواجهة جحافل المهاجرين وتغليب المصالح السياسية الضيقة على المصالح العامة للبلاد. لكن هناك أيضاً جانبا ثالثا في مسألة الهجرة يفرض نفسه كلما أثيرت للنقاش العام، وهو عامل يتجاوز السياسي والاقتصادي ليستقر في الجانب الديموغرافي، لاسيما عندما ينظر إلى التأثيرات بعيدة المدى للهجرة على المجتمع الأميركي. فليس خافياً دور الهجرة في زيادة العدد الإجمالي لسكان الولايات المتحدة والذي شهد خلال فترة التسعينيات نقلة نوعية لم تشهدها أميركا من قبل، حيث وصل معدل الزيادة إلى 32.7 مليون نسمة في غضون عشر سنوات، لتحقق البلاد بذلك أكبر نمو سكاني لها منذ ستينيات القرن الماضي. وإذا كانت نسبة النمو قد تراجعت خلال العقد الجاري، فإن الولايات المتحدة في طريقها لإضافة 28 مليون نسمة أخرى إلى إجمالي عدد السكان. والحال أنه إذا كان الرئيس أوباما جاداً فعلا في بلوغ أهدافه المرتبطة بتحقيق الاكتفاء في مجال الطاقة وخفض انبعاث الكربون، فسيكون عليه تحجيم الهجرة والحد من التزايد السكاني الكبير الذي تحدثه، وإلا فإن الاستمرار في ارتفاع عدد السكان والذي سينتقل حسب التقديرات من 307 ملايين حالياً إلى 439 مليونا بحلول 2050، سيجعل من تلك الأوراش الكبرى صعبة التحقيق. لكن لحد الآن لم يصدر عن أوباما ما يدل على أنه ينوي تقليص الهجرة ومراقبتها، بل بالعكس من ذلك أعلن أنه يريد إخراج المهاجرين من "الظل ومنحهم فرصة الحصول على الجنسية الأميركية"، وكل ما قام به من تعديلات، منذ دخوله البيت الأبيض، هو التركيز على المشغلين الذين يوظفون مهاجرين غير شرعيين بدل مداهمة المصانع واعتقال المهاجرين كما كانت تقوم بذلك إدارة الرئيس السابق بوش. ديفيد فرانسيس كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"