في كل بيت إماراتي يسكن موهوب بحاجة إلى ملقط جراح لإخراجه إلى مرحلة التحدث بنعمة الله على هذا الوطن في أعز ثرواته. فالموهبة ذاتها هبة من الله والحفاظ عليها يقع ضمن الجهود التربوية والمؤسسية من أجل إيصال صاحبها إلى المكانة اللائقة بنوعية الموهبة التي يتمتع بها قياساً إلى أقرانه. فبين فترة الاكتشاف العفوي والاستفادة الحقيقية من أصحاب المواهب الفذة تموت آلاف الفرص وينسى مئات اللامعين الذين يضرب بهم المثل في الصغر ويتلاشون عن الميدان عند الكبر. نسمع قصصاً عن أطفالنا، أقرب إلى الأساطير في الفهم والوعي والإدراك النوعي في سن مبكرة، ويحث البعض بشكل فردي على عدم ضياع هذه القدرات بين أروقة الأوراق المشبّعة بالبيروقراطية والأنظمة التي ترفع من درجة عدم الاهتمام بالطاقات التي قد توفر على المستقبل الوقت والمال إذا ما تمت الاستفادة المبكرة منها. وبعض النظريات التربوية تدعو إلى ترك الطفل أثناء فترة اللعب والمرح مع أدواته على سجيته، بمعنى أنه إذا أراد أن يكسر ألعابه ويعبث بها لا يُنهر، لأن في ذلك بدايات لاكتشاف الترابطات بين مكونات الألعاب تقوي لديه فرص التركيب والفك ومعرفة أشياء عملية يمكن البناء عليها في المستقبل، إلا أن معظم الآباء أو الأمهات يقسون على الأطفال ويعتبرون ذلك ضمن السلوكيات الشيطانية بالنسبة لهم، فيضطر الطفل هنا لتعلم الاحتفاظ بأدواته سليمة حتى بلوغه الرشد دون أن يفقه شيئاً عن تراكيبها الفنية أو الطرق التي أوصلت تلك القطع إلى أن تصبح لعبة متكاملة. فقبل عقود نشأنا وتربينا في بيئة لا تتوفر فيها وسائل اللهو للكثير من الأسر إلا أننا كنا نجتهد في صناعتها ذاتياً، فكانت السيارة صناعة محلية وحتى خطوط الهاتف البدائية وبعض الأدوات الكهربائية أو الميكانيكية من صنع أيدينا بعد ممارسة عمليات الكسر والتفكيك وإعادة التركيب من جديد، ولم نقم بذلك في مختبرات المدارس وإنما في السكيك والحارات الشعبية. ويجب الالتفات إلى أمر في غاية الأهمية والخطورة في آن واحد، ألا وهو اعتماد البعض على الدرجات النهائية في الشهادات العامة وهو مقياس خاطئ لتحديد الموهبة المعنية، فقد يكون الطالب صاحب درجات متدنية في كثير من المواد إلا أن لديه من المهارات والمواهب ما يتعدى التقيد بالدرجات الدنيا أو العليا، فمن يملك موهبة في الخط ليس بالضرورة أن يكون فطحلا في اللغة العربية، ففن الخط شيء وفقه اللغة فن آخر، قد لا يكون بينهما أي رابط مادي. ولذا نرى أن مجتمعنا بحاجة إلى "هبَّة" مؤسسية ليس لرعاية الموهوبين فقط وإنما أيضاً لاكتشاف المجهولين منهم عبر تنفيذ حملة إعلامية ضخمة، معنوية ومادية، وذلك بتحفيز الوسط التربوي ذاته للبحث عن كل مؤشرات المواهب التي تلمح إليها تصرفات وحركات الأطفال والتلاميذ في مختلف المراحل الدراسية، وعليه لا ينبغي الانتظار إلى ساعة حصول الطالب على الشهادة النهائية، لأن زمن الإهمال قد يكون وقعه السلبي أقوى من فرص الاكتشاف المتأخر لعنصر بشري مبدع قد يقلب معادلات حسابية أو اجتماعية معروفة إلى شيء آخر لم يُسبق إليه. ونضرب مثلا باليابان التي أعلنت مؤخراً عن حاجتها الملحة إلى ثلاثمائة فرد يوازون موهبة "بيل جيتس" في عالم الكمبيوتر أو التقنية الرقمية وليس شرطاً أن يكون الواحد منهم يابانياً، وإنما هي دعوة عامة على مستوى العالم، فكل من يجد نفسه في هذا المجال يتقدم لذلك مع الحصول على الكثير من مغريات المنصب والراتب وتوابع ذلك. إننا بحاجة إلى "هبَّة" إماراتية من أجل قنص المواهب الوطنية المغروسة في أبنائنا بكل مستوياتهم، لعلنا ننفرد بسبق ننفع به أنفسنا والإنسانية معنا.