برغم الضمانات العديدة التي تتّخذها الدولة لضمان حقوق العمال، وكان آخرها القرار الذي اتخذته وزارة العمل، الذي يقضي بحظر العمل في الأماكن المكشوفة تحت الشمس، فإن قليلا من المنشآت لم تلتزم القانون، وتحاول التهرّب منه أو التحايل عليه. وبرغم محدودية عدد المنشآت المخالفة وضآلة هذا العدد الذي لا يكاد يذكر مقارنة بإجمالي عدد المنشآت المعنيّة بالقرار، فإن ذلك يعطي انطباعاً غير دقيق عن بيئة العمل الإيجابية، ويمكن أن تستغلّه جهات خارجية في تشويه الإنجازات والمكتسبات التي حقّقها العمال خلال الفترة القليلة الماضية. وفي تعاطيها مع هذه المخالفات، لم تكتفِ وزارة العمل بتأكيد أنها ستلتزم تطبيق الغرامات على المنشآت المخالفة، ولن تستثني أحداً من العقوبات التي يفرضها القرار، وإنما طالبت أيضاً العمال جميعهم في مواقع الإنشاءات بضرورة الإبلاغ عن أي ضغوط يتعرّضون لها من أصحاب المنشآت للاستمرار في العمل في وقت الظهيرة، وحرصت على طمأنة هؤلاء بأن بلاغاتهم ستكون محاطة بالسرّية؛ حتى لا يتعرّضوا في ما بعد للاضطهاد من جانب أصحاب هذه المنشآت. إذا كان هناك توجّه عام من جانب وزارة العمل على عدم التستّر على مثل هذه المخالفات، والتعاطي معها بشفافية، فإنّه من المهمّ وضع هذه المخالفات في سياقها الصحيح وحجمها الحقيقي، فهي تتمّ بشكل فردي، ولا تعبّر عن أيّ اتجاه عامّ في الدّولة، والدليل على ذلك أن عدد الشركات المخالفة يشكّل نسبة ضئيلة لدى مقارنته بعدد الشركات الملتزمة، فإذا طبّقنا ذلك على القرار الأخير، لاحظنا أن نسبة الشركات الملتزمة تصل إلى 98.5 في المئة، فمن إجمالي 5223 منشأة، فإن 73 شركة فقط خالفت قرار وقف العمل، ما يعدّ مؤشراً إيجابياً يؤكّد أن الطابع العام هو التزام القوانين وليس مخالفتها. كما أنّ هذه المخالفات تتمّ بمخالفة الإطار القانوني الذي يضمن حقوق العمال في الدولة، الذي يحتوي نصوصاً واضحة وتدابير مهمّة لحفظ حقوقهم وتوفير الظروف المعيشية الملائمة لهم، من ضمنها، إلزام المنشآت دفع الرواتب حسب الطرق والأنظمة المعمول بها دولياً عن طريق البنوك أو من خلال التأمين على الرواتب، تحسّباً لإعسار الشركة أو إفلاسها، والتزام تدابير السلامة والصحّة المهنية، فضلا عن إلزام الشركات التي لديها كثافة عمالية بتوفير طبيب وممرّض مناوبين في مكان العمل، وكذلك تقوية إجراءات التفتيش العمالي وتعزيزها، وفقاً لمتطلّبات "منظمة العمل الدولية". وإضافة إلى ما سبق، فإن هذه المخالفات تتمّ مواجهتها ومراقبتها، وهناك آليّات محدَّدة وواضحة للتعامل معها، والشكوى منها، والحصول على الحقوق بشأنها، وهو ما اتّضح في الطريقة التي تعاملت بها وزارة العمل، مؤخراً، مع المنشآت المخالفة لقرار حظر العمل في الأماكن المكشوفة تحت الشمس. المشكلة دائماً في ما يتعلّق بالعمالة في الدولة تكمن في أنّ هناك من يعمل على مخالفة القانون في الوقت الذي تعمل فيه الجهات المعنيّة على التصدّي له، وليست مشكلة هيكليّة تتصل بالإطار القانونيّ الذي يحكمها، وهذا ما يجب أن تضعه الهيئات المعنيّة بهذه المسألة على الساحة الدوليّة في اعتبارها، حتى لا تشوّه الحقائق، أو تقدّم تقارير مغلوطة عن مشكلات بسيطة تخالف الواقع الحقيقي لأوضاع العمالة في الدولة. وخطورة ما سبق تكمن في أن بعض المنظّمات الحقوقية الدولية، وبعض وسائل الإعلام الغربية درجت، في الآونة الأخيرة، على تضخيم أي أحداث أو مشكلات بسيطة ترتبط بالعمالة، وتفسيرها على أنها دليل على معاناة هؤلاء، وافتقارهم إلى الحد الأدنى من الحقوق الذي تنصّ عليه المواثيق الدولية في هذا الشأن، وتكون نتيجة مثل هذا التناول غير الدقيق للواقع هي تشويه الإنجازات التي حقّقتها بيئة العمل في الدولة. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية