هل كان قرار الحكومة المصرية بإعدام الخنازير في مصر قراراً أملته الضرورات الصحية أم أنه كان ترجمة لتحريم لحومها بموجب الشريعة الإسلامية؟ يتهم بعض المسيحيين الأقباط السلطات المصرية بأنها تسرّعت في اتخاذ قرار الإعدام الجماعي للخنازير، وأن القرار اتخذ بدافع ديني، لا درءاً لخطر انتشار وباء الإنفلونزا. ويشيد بعض المسلمين المصريين بقرار الحكومة على خلفية التحريم الديني، وليس على خلفية الصحة العامة. وقد عكست هذه المواقف المتناقضة صحف ومجلات محلية، كما عكستها تصريحات لرجال دين مسلمين ومسيحيين. وانتقل ذلك كله إلى الشارع ليصبّ المزيد من التوتر على علاقات طائفية ما، عرفتها مصر من قبل، تدور أساساً حول قضايا شخصية أو عائلية تتعلق بمفاعيل زواج متعثر هنا، أو علاقات عاطفية تتجاوز الطوائف هناك. ولم تسيّس العلاقات الطائفية في مصر كما حدث ويحدث في لبنان. ولكن يخشى أن تكون هذه العلاقات في طريقها إلى التسييس، أي إلى التوظيف السياسي للدين، بما يسيء إلى الدين ولا يخدم السياسة. والحال أن ما تشهده مصر اليوم على خلفية إعدام الخنازير مؤشر مضحك ومبكٍ معاً. فمن الطبيعي أن تسرع الحكومة المصرية إلى اتخاذ الإجراءات الحاسمة لقطع الطريق أمام وصول وباء إنفلونزا الخنازير ومن ثم انتشاره لا سمح الله في مصر. فالوباء عضال وخطير وانتشاره يؤدي في بلد كثيف السكان إلى كوارث إنسانية واجتماعية واقتصادية لا تستطيع مصر أن تتحملها، وليس لها أن تغامر بالتردد في وأدها، وبسرعة. وهذا ما فعلته السلطات المصرية. وهو ما قامت به قبل ذلك عندما بدأ وباء إنفلونزا الطيور في الانتشار، إذ أقدمت حينها على إعدام الدواجن من هذه الحيوانات على نطاق واسع. ويومها ارتفعت أصوات الفلاحين احتجاجاً. ولكن لم يرتفع أي صوت يحتجّ على خلفية طائفية، وذلك لأن لحم الطيور حلال إسلامياً وحلال مسيحياً، ولأن أصحاب الطيور هم من المسلمين ومن المسيحيين الأقباط معاً.. أما الخنازير فلحمها حرام إسلامياً وحلال مسيحياً. ومن هنا برزت ظاهرة الخنزرة الطائفية. فأن يكون لحم الخنزير محرماً في الإسلام شيء، وأن يكون هذا الحيوان مصاباً بمرض مُعدٍ للإنسان وللحيوان، شيء آخر. فالطيور لم تكن محرمة عندما أُعدمت، ولكن السلطات المصرية بادرت إلى إعدامها لمجرد أنها كانت مصابة أو مهددة بالإصابة بمرض إنفلونزا الطيور. والقضية المطروحة الآن لا تتعلق بمبدأ التحريم ولكنها تتناول مبدأ المحافظة على الصحة العامة من تداعيات المرض الذي تحمله أو قد تحمله الخنازير. وفي الأساس لم يكن محرماً على المواطنين الأقباط في مصر تربية الخنازير، وبالتالي لم تكن مبادرة السلطات المصرية إلى إعدامها لأنها محرّمة، بل لأنها مصابة أو قد تصاب بمرض خطير. ومع ذلك، فإن من حق المسلمين أن يقولوا: أرأيتم، لقد حرّم الدين لحم الخنزير لأسباب عديدة.. وها قد برز واحد منها. ولكن من حق المسيحيين الأقباط أيضاً أن يقولوا: لم يحرم الدين علينا لحم الخنزير، ولم تصب مزارعنا بالمرض. وإذا كان الإعدام الشامل هو فعلا من قبيل الاحتياط، فلماذا معارضة التعويض على أصحاب المزارع بذريعة أن لحم الخنزير محرم إسلامياً وأن التعويض على أصحاب الخنازير يخرجه من دائرة التحريم؟ وعندما أعدمت السلطات المصرية الطيور ردّت عن الشعب المصري خطر التعرّض لوباء الإنفلونزا الذي كان يهدد العالم كله. صحيح أن مربّي الطيور الداجنة تضرروا في أرزاقهم، ولكن صحيح أيضاً أن هذه السلطات عوّضت عليهم كلياً أو جزئياً. ويومها لم يعترض أحد على مبدأ التعويض لأنه شمل الجميع، مسلمين ومسيحيين. غير أن الأمر مختلف الآن. فأي قرار تتخذه السلطات المصرية بالتعويض على أصحاب مزارع الخنازير يجد مَن يفسره -وقد فسر بالفعل- على أنه يخالف الشريعة الإسلامية. وذلك بحجة أن التعويض هو من حيث الجوهر اعتراف بأن لحومها حلال وهي ليست حلالا. ثم إن الدولة من حيث المبدأ لا تدفع تعويضات لما هو حرام. ولذلك فإن التعويض على أصحاب الخنازير يتجاوز موضوع احترام الحق الشخصي ليصل إلى انتهاك الحق الإلهي. وبما أن مربّي الخنازير هم حصراً من المسيحيين الأقباط، فإن هذا المنطق يعني حرمانهم -أو طلب حرمانهم من أي تعويض. وهذا شكل آخر من أشكال الخنزرة الطائفية أيضاً، يقول البعض. فالمسيحي القبطي هو مواطن مصري يتمتع بحقوقه الكاملة في المواطنة. ومن هذه الحقوق حق التعويض، أسوة بغيره من المواطنين. والدولة المصرية التي تعترف به وبمواطنيته وبدينه، وبما تنص عليه عقيدته من حلال أو حرام، ليس لها أن تطبق عليه غير شريعته. وفي أساس الشريعة الإسلامية ألا تفرض مبادئ هذه الشريعة على غير المسلمين، بل إن فرضها عليهم يشكل انتهاكاً للشريعة ذاتها. والقرآن الكريم الذي يصف الإنجيل بأن فيه هدى ونوراً يقول أيضاً "وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه" ولم يقل بإلزام أهل الإنجيل بما أنزل الله في القرآن الكريم. فالشريعة الإسلامية تحدد ما هو حلال وما هو حرام للمسلمين. والشريعة المسيحية تحدد ما هو حلال وما هو حرام للمسيحيين. والمسلمون والمسيحيون معاً في الدولة الوطنية الواحدة ملتزمون كل بشريعته، وهم سواء أمام القانون. وكل ما يتناقض مع هذا الموقف المبدئي هو نوع آخر من أنواع الخنزرة الطائفية كذلك. ففي مصر قانون مدني يطبق على جميع المواطنين دون استثناء ولا تمييز. وبموجب هذا القانون ذاته بادرت السلطات الرسمية إلى إعدام الخنازير حرصاً منها على المصلحة العامة.. وعلى الصحة العامة. وبموجب هذا القانون أيضاً يتحتم عليها أن تبادر إلى التعويض على مربّي الخنازير لما لحق بهم من خسائر وأضرار.. من أجل المصلحة العامة. أما زجّ قضية التحريم والتحليل هنا، فإنه كذلك نوع من أنواع الخنزرة الطائفية أيضاً. ومهما يكن من أمر، لا يبدو صحيحاً أن المشكلة هي مشكلة خنازير، تربية أو تعويضاً، ولكنها مشكلة توتر طائفي. وهي لا تعكس مخاوف من وباء الإنفلونزا بقدر ما تعكس مخاوف من انتشار وباء الطائفية. لم تكن الدواجن حيوانات إسلامية حتى كان التعويض على أصحابها حلالا. وليست الخنازير حيوانات مسيحية حتى يكون التعويض على أصحابها حراماً. إن ليّ ذراع الشرع تحليلا وتحريماً يسيء إليه ويعرّض أمن المجتمع واستقراره للخطر، وهذا من أسوأ أنواع الخنزرة الطائفية. فمصر التي كانت دائماً مثلا ومثالا في الأخوة الوطنية وفي السماحة الدينية، قادرة على أن تحفظ نفسها ليس فقط من إنفلونزا الخنازير، بل من الخنزرة الطائفية، أولا وقبل كل شيء.