لا يستطيع أي مجتمع أن ينمو أو يتغير أو يتطور دون أن تكون لديه معرفة تامة ودقيقة بمكوناته الثقافية، أي نمط حياته بما ينطوي عليه من تقاليد وعادات وأفكار وأعراف وتاريخ وعقائد وقيم وموروثات، بحكم أن الثقافة هي روح الأمة التي لها دور مؤثر في تحريك وسائل نموها نحو التقدم. لذلك تحرص غالبية المجتمعات على رصد مقومات الحركة الثقافية فيها للتعرف على مدى عمق هذا التطور والنمو. ومن هذه المجتمعات مجتمع الإمارات الذي شهدت الحركة الثقافية فيه خلال العقود الثلاثة الأخيرة انتعاشة واسعة، سواء أكان ذلك على مستوى الفن الشعبي أو المسرح أو القصة أو الرواية أو الشعر أو الفن التشكيلي أو الكتاب أو الجوائز الثقافية... وقد ساعد على ذلك انتشار التعليم وبروز دور الصحافة والثقافة المشاهدة والمسموعة. ومن الكتب المهمة التي صدرت أخيراً عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات حول هذا الموضوع كتاب "صواري" للأديب إبراهيم مبارك، وأهمية هذا الكتاب أنه يلقي الضوء على تطور الحركة الثقافية في الدولة، منذ بدايتها، وذلك من خلال الفنون الثقافية، حيث يبدأ بالحديث عن دور المؤسسات الثقافية في إحياء المشهد الثقافي، وخاصة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي عندما نالت الدولة استقلالها وقام الاتحاد. حيث يشير إلى أهم النشاطات الثقافية والأدبية التي أخذت في الصعود والتأثير على الساحة الثقافية حينئذ والتي أسست لها مكانة ملحوظة منذ قيام الدولة عام 1971، وهي: الفنون الشعبية، والشعر، والمسرح، والفنون التشكيلية، والقصة، والرواية، والسينما. كما يحدد ملامح كل فن من تلك الفنون حسب فاعليته وتأثيره في المجتمع. فالفن الشعبي الذي يراه المؤلف تعبيراً طبيعياً عن الحياة وقوى الإنتاج لأي شعب من الشعوب، قدم صورة واضحة وقوية من مختلف قطاعات الحياة الإنتاجية وفئات المجتمع، سواء أكان ذلك في فنون البحرية التي تعبر عن حياة الغوص، والإبحار على ظهر السفينة، والبحث عن اللؤلؤ، والفرحة بوفرة الصيد من الأسماك... وكذلك الفنون الصحراوية مثل فن "الحربية" الذي يتميز برقصاته الحماسية التي تدعو الناس إلى الاستعداد الدائم للدفاع عن الأرض، أو الغناء الصحراوي مثل "الحداء" الذي يرافق قيادة الإبل في الصحراء وألوانه التي تعبر عن آهات وآمال وآلام الرجل الصحراوي. ولقد سجل الشعر حضوره، وخاصة الشعر النبطي، واختلفت مفرداته من مكان إلى آخر، وتغير شكل القصيدة بحيث أصبحت مع مرور الوقت بين الفصيح والشعبي والشعر الحديث. وكان للكتاب دور مهم في هذا المشهد الثقافي، حيث أصبحت أرض الإمارات بعد مرور ثلاثة عقود من عمر الاتحاد أرضاً لمعارض الكتب، ورغم أن المسرح قد بدأ منذ عام 1958، إلا أنه لم ينشأ بمعناه الصحيح، حسب المؤلف، إلا في عام 1971 عند قيام الدولة. وكانت الفترة الذهبية لهذا الفن الثقافي في ثمانينيات القرن الماضي، أما الرواية فقد برزت بشكل واضح منذ منتصف السبعينيات وذلك من خلال سرد حكايات الماضي وما مر بالناس من صراع مع الحياة. ونجد هذا التطور أيضاً في موضوع القصة، حيث برزت أقلام قصصية جادة، وقد جاءت انطلاقة الفن التشكيلي على يد مجموعة من الفنانين حتى أصبحت اليوم الساحة الفنية ثرية بهذا الفن، وكان للسينما هي الأخرى دور كبير في إثراء المشهد الثقافي وأيضاً النشر والجوائز الثقافية. ما يميز هذا الكتاب أن مؤلفه وضع الحركة الثقافية منذ بدايتها تحت مجهر النقد والمراجعة، وبين الإشكاليات العديدة التي حدّت من تقدم بعض الفنون الثقافية، خاصة أن المؤلف له العديد من الإصدارات الثقافية لاسيما في مجال القصة... فهو أحد الذين يقدمون لنا صورة المجتمع.