في مايو من عام 2010 سوف يعقد المؤتمر الدولي المعني بمراجعة نصوص معاهدة حظر الانتشار النووي بمقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك. وكانت الأطراف الموقعة على الاتفاقية قد عجزت عن التوصل إلى إجماع على المقترحات الخاصة بالحد من خطر الانتشار النووي لدى اجتماعهم في المؤتمر الدولي الجامع الذي عقد في عام 2005، وبذلك فقد اعتبر المؤتمر فاشلا. وربما يكون مؤتمر عام 2010 الفرصة الأخيرة المتاحة للمجتمع الدولي لإنقاذ المعاهدة التي بدأ سريانها منذ عام 1970 وينسب إليها الحد من انتشار السلاح النووي الفتاك. وتتعلق المسألة الأكثر إثارة للحساسية في المؤتمر المقبل بالجهود العملية التي بذلتها الدول الرئيسية الخمس التي كانت قد سمحت لها نصوص المعاهدة بالاحتفاظ بأسلحتها النووية، في مقابل وعد الدول نفسها بخفض ترسانتها النووية على نحو منتظم. ومن بين الدول الخمس المعنية بهذه النصوص، لم تبذل سوى الولايات المتحدة الأميركية وروسيا- أو الاتحاد السوفييتي سابقاً- من الجهود العملية المطلوبة لتحقيق ذلك الوعد. والسبب أن لهاتين الدولتين بالذات ترسانة نووية عملاقة جداً، بدت إلى جانبها ترسانات كل من بريطانيا وفرنسا والصين، مجرد أقزام نووية. وفي سبيل إقناع الدول الأعضاء الموقعة -والبالغ عددها 184 دولة- بأهمية المعاهدة وضرورتها من أجل حفظ السلام العالمي، مع حاجتها لإجراء تعديلات جوهرية عليها، بهدف تحسين أنشطتها الخاصة بالرقابة والتحقق من الأسلحة والبرامج النووية لشتى الدول، فإنه يتعين على الولايات المتحدة الأميركية وروسيا أن تظهرا قدراً أكبر من الجدية والعزم على إجراء خفض إضافي أكبر لترسانة أسلحتهما. وما لم تخط واشنطن وموسكو هذه الخطوة المهمة لإنقاذ المعاهدة، فسوف تزداد كثيراً، وإلى حد مرجح تقريباً، احتمالات فشل مؤتمر عام 2010. وإذا ما أخذنا إلى جانب ذلك الفشل في الاعتبار، السلوك الناشز لبعض الدول، مثل كوريا الشمالية، التي أعلنت انسحابها من المعاهدة منذ عام 2003، ثم دولة أخرى مثل إيران التي لا تخفي طموحاتها وتطلعاتها النووية... فسوف يكون العالم مكاناً أشد خطراً، ما أن يتحول السلاح النووي إلى سلاح "سائب" يمكن لكل من شاء أن يحصل عليه وينشره كما يشاء. وفي هذا السياق فقد كان لاجتماع القمة الثنائية الذي جمع بين الرئيسين أوباما وميدفيديف في موسكو يوم السادس من يوليو الجاري أهمية كبيرة. وتنشأ هذه الأهمية من توقيع الرئيسين على اتفاق مشترك بينهما، يتوقع له أن يكون بداية لسلسلة من المشاورات الثنائية، بهدف التوصل في نهاية الأمر -ربما في نهاية العام الجاري- إلى صياغة مسودة معاهدة ثنائية جديدة مشتركة بين الدولتين تؤمن خفضاً لترسانة أسلحتهما النووية بدرجة ملحوظة، على أن يتوافق ذلك الخفض مع حلول موعد نفاد سريان معاهدة START -معاهدة الخفض الاستراتيجي للأسلحة- والتي كانت قد أبرمت بين واشنطن وموسكو في عام 1991. كما قصد اللقاء الثنائي الأخير بين الرئيسين الأميركي والروسي أن يبدأ سريان المعاهدة الثنائية الجديدة بين بلديهما قبل حلول شهر مايو من العام المقبل، وهو الموعد الذي ينعقد فيه المؤتمر الدولي لمراجعة نصوص معاهدة حظر الانتشار النووي. وهذه هي إحدى المجالات التي تجمع فيها واشنطن وموسكو مصالح حيوية كبيرة، تسمح لهما بالتعاون فيها إلى أبعد الحدود الممكنة. كما يجب القول إن موسكو تتمتع بقدر كبير من الاحترام باعتبارها قوة نووية كبرى، وإنها أظهرت كثيراً من الجدية والتعاون مع واشنطن في جهود الحد من خطر انتشار السلاح النووي. ولم تكتف موسكو بمجرد خفض ترسانتها النووية الخاصة، وإنما سعت إلى فرض رقابة مشددة على تلك الكميات الهائلة من المواد النووية التي خلّفها العهد السوفييتي. فما لم تفرض رقابة كهذه على المواد المذكورة -المنتشرة في كافة جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق- فليس مستبعداً وقوعها في يد الإرهابيين، أو من يريدون استغلالها لأي أغراض خاصة أخرى. وبقدر ما تحقق واشنطن وموسكو تقدماً أكبر في الحد من ترسانة أسلحتهما، وفرض المزيد من الرقابة عليها، كلما ازداد نفوذهما وقدرتهما على بقية الدول الأعضاء الموقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي، لدى انعقاد مؤتمر مايو المقبل، المختص بمراجعة وتعديل نصوص المعاهدة الدولية، في نيويورك. بل إن حد واشنطن وموسكو من أسلحتهما النووية وتشديد رقابتهما عليها، سوف يسهل عليهما كثيراً الحصول على ما يلزمهما من دعم من قبل كتلة دول عدم الانحياز بغية تشديد النصوص والشروط التي تنص عليها معاهدة حظر الانتشار النووي. وفي كل هذا ما يمكن المجتمع الدولي بأسره من ممارسة ضغوط أشد على الدول الناشزة، مثل إيران، بهدف حملها على وضع برامجها وأنشطتها الخاصة بتخصيب اليورانيوم تحت مراقبة دولية أشد يقوم بها مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي حين لا تزال الهوة الدبلوماسية الفاصلة بين واشنطن وموسكو كبيرة للغاية، ولا تزال الخلافات مستمرة بينهما حول عدد من المسائل الجيو-سياسية، بما فيها الخلاف بينهما حول مشروع الدرع الصاروخية الأميركي المقترح إقامته في دول أوروبا الشرقية القريبة من الحدود الروسية، وكذلك المخططات الجارية الهادفة إلى ضم كل من جمهوريتي أوكرانيا وجورجيا المجاورتين لروسيا، المنفصلتين عنها في واقع الأمر، إلى حلف "الناتو"... إلا أن علاقة التعاون الاستراتيجي النووي التي تجمع بينهما، تعد أكثر أهمية من تلك الخلافات الثانوية. وعلى رغم نهاية الحرب الباردة منذ ما يزيد على العقدين بين المعسكرين الشرقي والغربي، جراء انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات، إلا أن ما تملكه كل من واشنطن وموسكو من ترسانة أسلحة نووية، لا يكفي لإلحاق دمار شامل ببعضهما البعض فحسب، بل يكفي لتدمير كوكب الأرض كله ومحو الحياة من سطحه تماماً. ولهذا السبب، فإن من الواجب اعتبار زيارة أوباما الأخيرة لموسكو زيارة ناجحة بكل المقاييس، شريطة أن تدعمها خطوات المتابعة اللاحقة للزيارة بهدف ضمان التوصل إلى معاهدة حظر نووي جديدة بحلول مايو من السنة القادمة.