يقول المؤلف إن مشروع هذا الكتاب بدأ بسعيه لإعداد أطروحة الدكتوراه في العلوم السياسية والتاريخ أواخر تسعينيات القرن الماضي. وكان هدفه هو إعداد بحث أكاديمي عن سياسات أميركا الخارجية، بحيث يأخذ التناول بالبعد التاريخي للسياسات، شريطة معالجتها في آنيتها ومعاصرتها. وإثر اطلاعه على عدد من الكتب والدراسات عن التاريخ الإمبراطوري، لاسيما الحديث منه، والمرتبط بالشرق الأوسط، تساءل عما إذا كان سلوك واشنطن إزاء المنطقة، يصنف ضمن هيمنتها على أجزاء واسعة من العالم، أم أنه سلوك إمبراطوري تقليدي؟ وبالنظر إلى الوجود العسكري الكثيف لأميركا، مصحوباً بتزايد مصالحها الاستراتيجية؛ مثل النفط والأهداف الأمنية -بما فيها حماية إسرائيل- فقد أصبح ممكناً من الناحية النظرية، البحث في مدى تمكن واشنطن فعلياً من إنشاء شكل إمبراطوري لها في المنطقة، ذي قسمات مشابهة إلى حد ما، لما كانت عليه الإمبراطوريتان البريطانية والعثمانية سابقاً. والحق أنه لم يكن من مخطط الولايات المتحدة الأميركية مطلقاً -على حد قول الكاتب- أن تنشئ لها إمبراطورية في منطقة الخليج العربي، على غرار ذلك النمط الذي تبنته بريطانيا العظمى في السابق. غير أن تضافر مجموعة من الأحداث والتطورات الإقليمية والدولية، مصحوبة بتنامي المصالح الجيوسياسية الاقتصادية، دفع واشنطن إلى تكثيف دورها في المنطقة. وإثر انحسار النفوذ البريطاني، بعد خوض بريطانيا حربين عالميتين طويلتين في أواخر ستينيات القرن الماضي، وبسبب انشغال الولايات المتحدة الأميركية بصراعات الحرب الباردة بينها وبين المعسكر السوفييتي، فقد خطت واشنطن خطوة أبعد نحو الخليج العربي منذ بداية السبعينيات. وباعتبارها قوة دولية مؤثرة إقليمياً، تبنت واشنطن عدداً من الاستراتيجيات الإمبريالية بحيث تتمكن من تحقيق أهداف أمنها القومي. وفي معرض تحليله للنتائج التي أسفرت عنها هذه الاستراتيجيات، يقول المؤلف إن بعضها -مع ملاحظة استباق بعض هذه الاستراتيجيات لعقيدة الرئيس الأسبق ريتشارد نكسون- حقق نجاحاً لا بأس به، بينما أخفق البعض الآخر. لقد كان موضوع البحث نفسه، مثيراً للخلاف والجدل في أوساط الأكاديميين حتى عام 2001، بسبب قيامه على فرضية النشاط الإمبراطوري. غير أن الغزو الأميركي للعراق في عام 2003، وما تبعه من احتلال لذلك البلد، جدد الاهتمام بالحديث عن "الإمبراطورية" في الحوار العام الأميركي، وكذلك في أوساط الأكاديميين، مع الإشارة إلى أن هذا النوع من الحديث ظل خاملا وغير مطروق منذ حرب فيتنام. وبالنتيجة انضم عدد أكبر من صناع السياسات والباحثين الأكاديميين والصحفيين إلى طرق "تابو الإمبراطورية" باعتباره أمراً محرماً حتى وقت قريب قبيل غزو العراق. ويذكر أن أطروحة الدكتوراه كانت قد اكتملت وأجيزت في عام 2001، إلا أن الكتب والدراسات والبحوث العديدة التي صدرت عن "الإمبراطورية الأميركية" بعد ذلك التاريخ، أغنت أدبيات وببليوغرافيا البحث، وحفزت الكاتب على مراجعة مخطوطته الأصلية، وإجراء تعديل على بعض الأفكار الأساسية التي طرحت فيها. وأهم هذه التعديلات، توصُّل الكاتب إلى وجود شكلين للسلوك الإمبراطوري الأميركي: أحدهما كلاسيكي تقليدي، والآخر ليبرالي حداثي نوعاً ما. ومما تعلمه المؤلف من دراسات وبحوث "جون إيكنبري"، خبير العلاقات الدولية، أدرك المؤلف أن في وسع واشنطن أن تتبنى سلوكاً مهيمناً في مناطق أخرى مثل أوروبا، حيث يسود السلام والاستقرار، وحيث تتجه الجهود إلى حفز التنافس الاقتصادي عبر المؤسسات الأوروبية الراسخة، بينما تسلك سلوكاً إمبراطورياً في مناطق أخرى مثل الشرق الأوسط، حيث تسود النزاعات والاضطرابات والعنف، وتزداد مخاطر التطرف والإرهاب. ويستنتج الكاتب أن هذا الهجين الإمبراطوري الكلاسيكي-الليبرالي، يتناسب تماماً مع مرحلة ما بعد العصر الكولونيالي التقليدي، غير أنه يظل عرضة للانتكاسات والهزائم والتفسخ النهائي، شأنه في ذلك شأن جميع الإمبراطوريات السابقة. يجدر بالذكر أن كافة طروحات الإمبراطورية، تنتهي حتماً إلى الحديث عن صعود الإمبراطوريات واضحملالها. وهذا ما افترض البعض تبنيه في هذه الدراسة. لكن من رأي المؤلف أن مسار الإمبراطوريات يتخذ خطاً مشابهاً لمقياس الزلازل أثناء حدوث الهزات الأرضية. وبالمقارنة: فقد شهد نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة تراجعاً ملحوظاً منذ عام 1958 حيث وقع الانقلاب العراقي، وحتى عام 1979 حين اندلعت فيه الثورة الإيرانية. لكن منذ أزمة الرهائن الأميركيين في طهران، تصاعد نفوذ واشنطن الإقليمي على منطقة الخليج العربي -خلال حربي الخليج الأولى والثانية- وصولا إلى إبريل 2003، تاريخ الإطاحة بنظام صدام حسين وسقوط بغداد. لكن سرعان ما تحول العراق إلى مأزق لواشنطن بعد مرور أربع سنوات على غزوها له. بل انحدرت شعبية أميركا إلى أدنى مستوياتها. والمثير للدهشة هنا أن سلوك واشنطن الإمبراطوري الرسمي، قد عصف بجهدها الإمبراطوري الليبرالي في منطقة الخليج العربي. فهل لهذه المفارقة أن تستقيم في ظل إدارة أوباما الجديدة؟ عبدالجبار عبدالله الكتاب: غير الاستثنائي: الإمبراطورية الأميركية في الخليج العربي المؤلف: مارك جي. أوريلي الناشر: دار "ليكسنجتون" للطباعة والنشر تاريخ النشر: 2008