منذ أن أبدى أوباما في خطابه الأخير بالقاهرة ملاحظاته حول البلدان التي تضع قيوداً على اللباس الديني في المدارس، عاد الجدل مرة أخرى لينصب حول ارتداء النقاب إلى النقاش العام في أوروبا. لكن الجدل اقتصر على أوروبا دون الولايات المتحدة ربما لأن الأمر غير مطروح بنفس الحدة، بحيث نادراً ما نشاهد نساء في شوارع نيويورك، أو شيكاغو يرتدين ثياباً تغطي وجوههن بالكامل. والسبب ربما يرجع إلى طبيعة المهاجرين في أميركا من الشرق الأوسط الذين ينتمون في الغالب إلى الطبقة الوسطى ويندمجون بسهولة في المجتمع، وكغيرهم من الأميركيين لهم نفس تطلعات النجاح وتحقيق الذات، ناهيك عن أن الكثير منهم مسيحيون. ولا ننسى أيضاً أن نموذج الهجرة الأميركي يختلف عن نظيره الأوروبي في كونه ينأى عن التوجيه وإسداء النصائح، ولا يتدخل في طريقة عيش المهاجرين، وهو بالإضافة إلى ذلك يكفل درجة كبيرة من الانفتاح والحرية لكل من يبدي استعداداً لاحترام القانون والتمسك بالمبادئ الوطنية الأميركية. وفي هذا السياق لا يكترث الكنديون والأميركيون والبريطانيون كثيراً بما يرتديه المهاجرون، ويسمحون لهم باختيار نوع الملابس التي يريدونها، فعلى سبيل المثال يطالعك أحياناً وأنت في كندا مشهد شرطي يعتمر عمامة السيخ، ومع أن المشهد ليس مألوفاً في نيويورك، لكن ربما ذلك راجع إلى أن السيخ في أميركا لا يمتهنون تلك الوظائف. وفي أوروبا ترتبط الملابس بالهجرة ارتباطاً وثيقاً، حيث أثار في السنة الماضية منظر ارتداء مجموعة من الشاب في بريطانيا ينحدرون من أصول آسيوية وأفريقية لقمصان تغطي الرأس انتباه رجال الشرطة الذين واجهوا معضلة الحفاظ على الأمن، والتأكد من احترام القانون من جهة، والإشكال الأخلاقي الذي يدعو إلى عدم التمييز ضد الجماعات العرقية المختلفة، وعدم التدخل في تحديد الاختيارات الشخصية للمواطنين. فهل يمكن اعتبار تعامل الشرطة مع الشباب الذين يغطون رؤوسهم ويجوبون شوارع المدن مرتكبين جنحاً ومهددين سلامة الناس مثل المجموعات التي أحرقت السيارات ودمرت الممتلكات في ضواحي باريس نوعاً من التمييز العنصري ضد الآخر؟ وهل قيام الشرطة بمهامها المتمثلة في وقف هؤلاء الشباب واستجوابهم واقتيادهم إلى مخافر الشرطة هو تعدٍ على قيم التسامح، أم أن الأمر لا يتعدى إنفاذاً للقانون وفرضاً للنظام؟ الحقيقة أن ردة فعل الشرطة طبيعية ولا تخرج عن نطاق اختصاصهم، لكن يجب أيضاً النظر إلى ظاهرة الشباب الذي ينحدر من أسر مهاجرة في سياق ما يشعرون به من إحباط وما يعيشونه من ظروف اقتصادية صعبة، دون أن نحمل العامل العرقي كمال المسؤولية، فيمكن لفتاة ترتدي النقاب أن تكون منخرطة سواء طواعية، أو قسراً في قيم معينة تحتفي بتفوق الرجال على النساء كجزء من تصور معين للتعاليم الدينية، التي قد لا تعبر حقيقة عن جوهر الدين الإسلامي، وربما يكون بالنسبة للفتاة التي تغطي كامل وجهها نوعا من تسجيل الاختلاف والاحتجاج على المجتمع الذي تعيش فيه. وفي حالات أخرى، نجد عدداً من الفتيات الأوروبيات يرتدين الحجاب، بل حتى النقاب بعد اعتناقهن الإسلام وانخراطهن في جماعة دينية منغلقة على نفسها تشبه في الكثير من الجوانب الطوائف الدينية المختلفة التي تنتشر في أوروبا ليتجرد التدين من أهدافه الأصلية، ويتحول إلى انغلاق قد يهدد سلامة الأشخاص المنتمين إليه، وفي هذا الإطار، لابد من قيام الشرطة بدورها الرقابي بالتحقق من عدم وجود استغلال للأطفال، أو القصر سواء كان الاستغلال جنسياً، أو غير ذلك. ورغم مخاوف الإرهاب والتشدد الإسلامي التي تؤرق السلطات الأمنية في أوروبا، فإنه من غير الوارد التعامل مثلا مع مسألة ارتداء البرقع على أنه تهديد للأمن، أو مساً بالنظام، لأنه في النهاية يعكس توتراً اجتماعياً، أو شخصياً أكثر منه نزوعاً إجرامياً. ولو قارنا بعض مظاهر التدين المفرط مع واقع الدول الأوروبية والولايات المتحدة لوجدنا تشابها بين ذلك السلوك وبين الجماعات العقائدية المنغلقة مثل "المورمون"، الذين يبيحون تعدد الزوجات في بعض الولايات الأميركية، وجماعات أخرى لها معتقدات غريبة قد تنخرط في سلوكيات يجرم عليها القانون مثل الاستغلال الجنسي للأطفال وغيرها. وأمام هذا الوضع ليس غريباً أن تطالب الدول الأوروبية المهاجرين بالانسجام مع القيم الوطنية الراسخة، وهو ما تقوم به الحكومة الهولندية اليوم بعد سلسلة من الفضائح المرتبطة بظهور جماعات تروج لكراهية الأجانب، واغتيال زعيم سياسي مناهض للمهاجرين، فضلا عن الجدال المحتدم داخل المجتمع حول بعض الممارسات الإسلامية. لكن في المقابل هناك تهاون من قبل دول أخرى أهملت مهاجريها وتركتهم نهباً للانغلاق والتشدد على غرار ألمانيا التي تحولت فيها أحياء المهاجرين الأتراك إلى جيتوهات منعزلة إلى درجة أن شؤون الأسرة والزواج مازالت تدار من تركيا، بحيث تعجز الزوجات عن تعلم اللغة الألمانية حتى بعد مرور سنوات على استقرارهن في ألمانيا. والمفارقة التي تحتم على ألمانيا انتهاج أسلوب جديد في التواصل مع المهاجرين هو النسبة المرتفعة نسبياً لسكانها المسلمين والتي تصل حسب التقديرات إلى 6 في المئة من إجمالي السكان، وهي كتلة بشرية غير مندمجة في المجتمع تعاني من التهميش والإقصاء. غير أن ذلك لا يعني نجاح النماذج التي تصر على الإدماج القسري لمهاجريها مثل فرنسا الساعية إلى محو الفوارق الثقافية بين مواطنيها، رغم اختلاف أصولهم ودياناتهم بإصرارها على ثقافة جامعة يصوغها المجتمع الفرنسي ولغته، والحال أن ذلك النموذج فشل في تحقيق اندماج حقيقي كما دلت على ذلك الأحداث الأمنية التي تشهدها المدن الفرنسية بين الفينة والأخرى. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"