من المبادئ التي اتضحت حتى الآن في السياسة الخارجية للرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما مبدآن بارزان كفيلان بوسم أوباما بأنّه يتبع المدرسة الواقعيّة، على عكس مدرسة "المحافظين الجدد" التي سادت في أغلب سنوات حكم سلفه، والتي توسم بالمثالية. هذان الركنان هما: أولا، تقليص الاهتمام بما يحصل داخل الدول المختلفة وبنوع النظام السياسي في هذه الدول. والركن الثاني هو تفضيل التعامل مع الدول الحكومات وتقليص دور اللاعبين العابرين للقوميّات (غير الحكوميين). وفي عبارة كتبها أوباما على غلاف كتاب جديد نشر للكاتب المتوفى عام 1971 رينهولد نيبور جاء أنّه أخذ من أفكار هذا الفيلسوف اللاهوتي، فكرة أنّ "هناك شروراً خطرة في العالم، وأنّ هناك معاناة وألماً... ولكن يجب أن نكون متواضعين وواقعيين في اعتقادنا بمدى قدرتنا على إزالة هذه الشرور". وهذه الجملة على رغم استدراك أوباما بقوله إنّه لا ينبغي أن تكون مبرراً للسلبية والاستنكاف عن العمل، فإنّها قد تشكل مبدأً أساسيّاً يطبع سياسة إدارته الخارجية في السنوات المقبلة، ويؤدي إلى عدم اعتقاده بأنّ الولايات المتحدة مطالبة بصفتها القياديّة على المستوى الدولي بأن تتدخل في دول تعاني حكم أنظمة قمعيّة وديكتاتوريّة، وأنّه لن يستخدم هذه الأوضاع لتبرير تدخل أميركي في هذه الدول، وهذا مبدأ معروف في النظرية الواقعيّة، ومعاكس لمذهب "المحافظين الجدد"، الذي يعتبر نشر الديمقراطية وقيم الحياة الأميركية من متطلبات الأمن القومي لأميركا، ومبرراً لهيمنتها الدولية، ولسياسات التدخل الدولي التي أسموها في أدبياتهم باسم "الهيمنة الرحيمة"، وهو ما جعل مدرستهم توسم بالمثالية على رغم عنفها. وأحدث الأمثلة على تطبيقات السياسة الواقعيّة ما قاله نائب الرئيس الأميركي، جوزيف بايدن، في زيارته للعراق يومي الجمعة والسبت الفائتين، عندما أكد أنّ واشنطن قد تعيد النظر في التزاماتها في العراق في حال عاد العنف الطائفي والإثني إليه، وقوله إنّ دور أميركا في العراق قد تغيّر من جهد عسكري بحت إلى جهد دبلوماسي. كما أنّ تراجع الإدارة الأميركية عن الدعوة للانتخابات والديمقراطية في الدول المختلفة يجسّد هذه السياسة. وقد أشار أوباما في أكثر من مناسبة، إحداها خطابه في القاهرة مؤخراً، إلى أنّه سيأخذ بيد الأنظمة التي تقرر التحول من الفساد والديكتاتورية إلى الشفافية والديمقراطية، ولكنه لم يهدد أو يتوعد بأن يقاطع هذه الأنظمة كما كان يفعل سلفه. وعلى صعيد اللاعبين العابرين للقوميّات في العلاقات الدوليّة، والمقصود بهم "الفاعلون غير الدول"، من أمثال الحركات السياسية المعارضة، والمنظمات غير الحكومية، والشركات ورجال الأعمال، ومنظمات حقوق الإنسان، وما إلى ذلك، فمن الواضح أنّ أوباما يريد التعامل مع الحكومات مباشرة، وخير مثال على ذلك موقفه من أزمة الانتخابات الإيرانية الأخيرة، فهو لم يحاول الانحياز للمعارضة، وبقي يصر على أن نوع النظام السياسي أمر يحدده الإيرانيون وأنّه سيتعامل مع الحكومة القائمة بغض النظر عن هويتها. والواقع أنّ "الفاعلين غير الدول"، تعرضوا لعدة ضربات مؤخراً، فالأزمة المالية العالمية أدت لإضعاف مباشر لبعض هؤلاء الفاعلين من مثل الشركات متعددة الجنسيّات، وكبار رجال الأعمال، كما أنّ العديد من منظمات المساعدات الإنسانية والتنموية التي لا تتبع الدول مباشرة وتعتمد على منح وتمويل دول وشركات ومتبرعين تراجعت قدراتها، وبالتالي دورها السياسي المباشر أو غير المباشر، ولم تعد بديلا عن الحكومات أو وسيلة للضغط عليها. وعلى سبيل المثال فإن على مراكز أبحاث، وجمعيّات حقوق إنسان وجمعيّات تنموية عربية تعتمد على ما يعرف بالتمويل الأجنبي أن تتوقع تقلّصاً كبيراً فيما يصلها، سواء بسبب الأزمة المالية العالمية، أو لأنّ الحكومات في دول عديدة أطبقت على مصادر التمويل، أو لأنّ حكومات رئيسية، من مثل الحكومة الأميركية، باتت تفضل حصر تعاملها مع الحكومات، وعادت للمبدأ الكلاسيكي في العلاقات الدوليّة بأنّ الدولة هي الوحدة الأساسيّة في السياسة الخارجيّة، وهو ما يجسّد فكرة عبّر عنها فرانسيس فوكوياما قبل سنوات بمصطلح "عودة الدولة". د. أحمد جميل عزم aj.azem@gmail.com