لم يكن مفاجئاً القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة بتعيين سفير لدى سوريا بعد أربع سنوات على سحب السفيرة مارجريت سكوبي في ذروة التصعيد الذي لجأت إليه إدارة بوش ضمن سياستها التي استهدفت محاصرة دمشق ومحاولة عزلها. كان القرار متوقعاً في ضوء تبني إدارة أوباما سياسة جديدة بدأت مقدماتها الأولية في الشهور الأخيرة للإدارة السابقة بعد فشل سياسة الحصار في تحقيق أهدافها. وتقوم السياسة الجديدة على الحوار وتوسيع مساحات الاتفاق وتشجيع سوريا على انتهاج سياسة أكثر اعتدالا عبر تقديم حوافز لها مع إبقاء الضغط عليها ولكن عند مستوى أدنى من ذي قبل وبطريقة أكثر نعومة. ومن أهم أهداف هذه السياسة الأميركية الجديدة إحداث تغيير تدريجي في العلاقة السورية -الإيرانية التي ازدادت قوتها في ظل سياسة الحصار السابقة ونتيجة لها، أو ما يُطلق عليه إعلامياً إبعاد دمشق عن طهران. ويعتقد أنصار الحوار مع دمشق أن كل تقدم يمكن إحرازه في العلاقة معها سيكون على حساب صلاتها مع طهران، فيما يرى بعضهم الآخر أن الاقتراب من سوريا يمكن أن يبعدها عن إيران ولكن بمقدار معين. ولهذا الافتراض أساس قوي من حيث المبدأ، بغض النظر عن حجم التغير المحتمل في العلاقة السورية – الإيرانية والذي يرجح أن يكون محدوداً، وعن معدلات هذا التغير والتي يُتوقع أن تكون بطيئة. وقد حدث، فعلا، في الأسابيع الأخيرة ما يدل على ذلك، سواء في سياسة سوريا تجاه الانتخابات النيابية اللبنانية، أو في موقفها بشأن الحوار الوطني الفلسطيني الذي ترعاه مصر. ويبدو أن الإشارات الإيجابية التي تلقتها واشنطن من دمشق في هاتين المسألتين، وخصوصاً بشأن الوضع في لبنان، هي التي دفعت إدارة أوباما إلى التعجيل بإعلان قرب إيفاد سفير أميركي إلى دمشق. أما الوضع الداخلي المضطرب في إيران بسبب تداعيات أزمة الانتخابات الرئاسية العاشرة فهو ليس أكثر من مؤثر ثانوي في هذا المجال. فليس هناك ما يدل على علاقة مباشرة بين إعلان أن قرار إيفاد سفير أميركي إلى سوريا والاضطرابات في إيران. ومع ذلك، ربما يصعب استبعاد احتمال أن يكون للوضع المضطرب في إيران أثر في توقيت إعلان القرار الذي كان ممكناً تأجيل كشفه إلى حين ترشيح السفير رسمياً وتصديق مجلس الشيوخ عليه. أما القرار نفسه من حيث المبدأ فهو يتعلق برضا أميركي عن سلوك سوريا السياسي خلال الأسابيع الأخيرة، وينطوي على تفاؤل بأن يؤدي استمرار هذا السلوك إلى تقليص علاقاتها مع إيران بغض النظر عن الوضع الداخلي فيها. فقد أرسلت دمشق إشارات إيجابية، وكان أهم هذه الإشارات في الانتخابات النيابية اللبنانية التي لم تستطع واشنطن إخفاء قلقها من احتمال أن تنتهي بفوز فريق 8 آذار بالأغلبية. ومن هنا كانت أهمية الموقف المحايد الذي التزمته سوريا، بينما عبأت إيران إمكاناتها المؤثرة في لبنان لدعم فريق 8 آذار. وقد بدت طهران واثقة إلى حد كبير في فوز هذا الفريق بالأغلبية. وانعكس ذلك في خطابات حسن نصر الله. ولم يكن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أقل ثقة في فوز حلفاء بلاده في لبنان، وكذلك وزير خارجيته متكي الذي أبلغ باريس قبل أيام قليلة على الانتخابات أن الأغلبية الجديدة ستكون حريصة على العلاقات معها. ويبدو أن الخارجية الفرنسية صدقت ذلك، إذ أعلنت أنها ستتعامل مع أية حكومة يتم تشكيلها بعد الانتخابات اللبنانية. وما زال النقاب يُكشف عن تفاصيل تفيد أن دولا غربية عديدة توقعت فوز فريق 8 آذار. ولذلك كله، فمن الطبيعي أن تقَّدر واشنطن موقف سوريا المحايد في هذه الانتخابات، خصوصاً وأن هذا الحياد جاء على حساب فريق 8 آذار في المحصلة النهائية، ليس فقط لأنه حرمه من مساندة ربما توقعها قادته، ولكن أيضاً لأن دمشق حجبت عنهم أصواتاً كان يمكن أن تؤثر في نتيجة الانتخابات. فهي لم تبد أي حماس لتسهيل توجه اللبنانيين المؤيدين لفريق 8 آذار والمقيمين على أرضها للإدلاء بأصواتهم في يوم الاقتراع. فالذين وصلوا من سوريا وشاركوا في الاقتراع، وفق تقديرات هذا الفريق، أقل بكثير مما كان متوقعاً. وظهر هذا واضحاً في دوائر محافظتي البقاع والشمال الحدوديتين بين لبنان وسوريا، وخصوصاً في دائرة زحلة الحاسمة التي اكتسحها فريق 14 آذار بخلاف كل التوقعات التي راجت حتى صباح يوم الاقتراع. وهناك ما يؤكد أنه كان بإمكان سوريا التأثير في انتخابات دائرة زحلة، على نحو يقلب نتيجتها عبر دفع عدة آلاف من اللبنانيين المقيمين على أرضها للمشاركة في الاقتراع. ولو أن هذا حدث لكان فريق 8 آذار قد كسب المقاعد السبعة في هذه الدائرة، كما حدث في انتخابات 2005، وبالتالي يتعادل الفريقان في مجلس النواب بواقع 64 مقعداً لكل منهما. لكن فوز فريق 14 آذار بهذه المقاعد رفع عدد مقاعده إلى 71 مقعداً في مقابل 57 فقط للفريق الآخر. ويعني ذلك أن سوريا ساهمت بدور مهم في فوز فريق 14 آذار بالأغلبية، وأنقذت بالتالي الولايات المتحدة من مأزق خطير كان ممكنا أن يربك سياستها الإقليمية في الشرق الأوسط لو كان الفريق الآخر هو الذي كسب الانتخابات. وإذا كانت هذه إشارة قوية ومؤثرة وجهتها دمشق إلى واشنطن، فلم تكن إشارتها الأخرى بشأن الوضع الفلسطيني أقل أهمية رغم أنها لا تساويها من حيث الأثر الذي ترتب عليها. فقد التزمت سوريا بعدم ممارسة أي تأثير سلبي على مسار الحوار الوطني الفلسطيني، الأمر الذي لاحظته الأوساط المصرية الراعية لهذا الحوار وأبدت تقديرها له. لكن الموقف السوري على هذا الصعيد كان أقل إيجابية منه على مستوى الانتخابات اللبنانية. فرغم أن دمشق ساهمت في إقناع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" بالتوجه إلى القاهرة في 11 يونيو الماضي، أي قبل أسبوعين تقريباً على بدء الجولة السادسة للحوار، وأبلغته رغبتها في نجاح هذا الحوار، فليس هناك ما يدل على أنها دفعت في هذا الاتجاه بشكل مباشر. غير أنه يصعب، في الوقت نفسه، التأكد من أنها كانت قادرة على أن تفعل ما هو أكثر من ذلك، خصوصاً وأن حركة "حماس" لا تتحمل وحدها المسؤولية عن تعثر الحوار. فقد يكون بإمكان سوريا أن تفسد الحوار وتدفع باتجاه فشله. لكن ليس في استطاعتها أن تضمن نجاحه. والمهم، هنا، هو أن سوريا تصرفت تجاه الحوار الفلسطيني، كما إزاء الانتخابات اللبنانية، انطلاقاً من موقف مستقل اختلف عما سعت إليه إيران. وفي تصرفها، في كلتا الحالتين، ما يفيد أن السياسة الأميركية التي تهدف إلى إبعادها عن إيران تحقق تقدماً يثير ارتياحاً في واشنطن بغض النظر عن حجمه. وثمة ما يدل على أن هذا الارتياح يكفي لإعادة العلاقات الأميركية -السورية إلى طبيعتها، على النحو الذي عبر عنه مبعوث إدارة أوباما لعملية السلام جورج ميتشيل خلال زيارته إلى دمشق، بدون انتظار تراجع ملموس في العلاقات بين سوريا وإيران. والأرجح أن الأميركيين يدركون أن هذا التراجع سيكون بطيئاً، وأنه قد لا يكون جوهرياً، وأن أثره سيتركز في لبنان أكثر من أي موقع آخر، وسينعكس على "حزب الله" أكثر من غيره. وربما يعني ذلك إعادة العلاقة السورية -الإيرانية تدريجياً إلى ما كانت عليه في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد. وهذا منطقي ومفهوم، لأن الذروة التي وصلت إليها هذه العلاقات في السنوات الخمس الأخيرة ارتبطت بالسياسة الأميركية السابقة التي سعت إلى محاصرة سوريا فلجأت إلى إيران ورفعت مستوى التعاون معها، واضطرت إلى قبول ما لم تقبله من قبل؛ مثل توصيل أسلحة نوعية إلى "حزب الله" لم يحصل عليها في أي وقت سابق عبر حدودها مع لبنان. وإذا كانت سوريا تتغير الآن باتجاه التجاوب مع سياسة أميركية جديدة، فإيران بدورها لن تبقى كما هي الآن، أو قل كما كانت قبل أزمة الانتخابات الرئاسية التي تنحسر مظاهرها الشعبية، فيما ستبقى تداعياتها على تماسك النظام السياسي، وليس فقط على صورته. ولذلك ستكون في مراجعة العلاقة مع إيران مصلحة مباشرة لسوريا تتجاوز التجاوب مع السياسة الأميركية الجديدة لأنه ليس من الحكمة وضع البيض كله أو معظمه في سلة طهران المهتزة.