أعلن في دبي مؤخراً عن تخصيص مليون دولار لأفضل عمل درامي يعرض على شاشات مؤسسة دبي للإعلام للعام المقبل. وهي بادرة تحمل فيما تحمل تشجيع المواهب العربية التلفزيونية، وكذلك المحلية، لتقديم الأفضل والأجمل. وكانت دولة قطر قد خصصت وقفية لتشجيع البحث العلمي ودعم مشاريع البحوث في المجالات المختلفة تقديراً منها لدور العلم والعلماء في تحديث المجتمعات وتقديم الرؤى الاستشرافية بقصد دعم مشاريع التنمية المستدامة. هذا هو الجانب المضيء في هذه القضية. وهو جانب نُجلّه ونحترمه ونقدّره. لأن استشعار القائمين على الأمر بضرورة تشجيع المواهب والباحثين الجادين أمر يصب في الصالح العام الذي يخدم كل الناس. ولكن ما هو الجانب الآخر في هذه القضية؟ الكل يدرك أن منطقة الخليج منطقة "جاذبة" لكل شيء! وأن الانفتاح الذي حصل في المنطقة -بهدف دمجها في مسيرة العولمة- قد صحب معه السلبيات إلى جانب الإيجابيات. ولدينا شواهدُ كثيرة لهذا الحكم سواء من مشاهداتنا اليومية في الشارع، أم من خلال قراءتنا للصحف أو استماعنا للبرامج المحلية في الإذاعة، حيث يعاني سكانُ الخليج من مشاهدَ لم يألفوها قبل 10 أو 20 عاماً، ومنها: غياب الهوية، والسلوكيات الغريبة، والسرقة، والتزوير، والهروب المفاجئ للمكفول -بعد أن يخطف من أموال الشركة أو المؤسسة ويتوارى دون أن يتمكن أحد من اللحاق به وتقديمه للمحاكمة، وانحراف الشباب بغية التقليد وغيرها من الظواهر السلبية التي صاحبت ذاك الاتجاه نحو العولمة. وقضيتنا اليوم ليست أياً من هذه القضايا!. قضيتنا اليوم هي قضية ثقافية/ فنية، أبطالها "مناضلون" عرب، مِمن قضوا سنوات الغربة في شارع "أدجور رود" بلندن، أو قضوا أمسياتِ تأمُلٍ في مقهى "الفوكت" بباريس، رافعين لواء القضية العربية الأولى، مُنددين بـ "القوى" الاستعمارية ومن يتبعها في المنطقة العربية. فهؤلاء "المناضلون" من أصحاب المواهب التي "قمعتها" بعض الأنظمة في العالم العربي، اهتدوا إلى فكرة جديدة تجعلهم يتحولون من حالة "التسكع" الثقافي والفني في عواصم الشتات إلى الاقتراب من دفء خزائن بعض الدول الخليجية. وهذه الفكرة جعلتهم يتحولون "أصناماً" يعشقون ذواتهم، ويقدمون أنفسهم -لمسؤولي الثقافة في المنطقة- على أنهم الأحق بمشاريع الثقافة والفنون، ولكأن هذه المنطقة ليست فيها أية مواهب، أو لم يدرس أبناؤها في نفس الجامعات التي تخرج منها هؤلاء المناضلون! ويا ليت ما يقدمونه يكون على مستوى جيد، ولا غبار على ذلك، فتشجيع المبدعين العرب حق وواجب. لكننا نتحدث هنا عن أعمال متواضعة ورديئة، يتقدم بها أصحاب تاريخ فني ومسرحي. وتلك هي الإشكالية. وهذه النماذج للأسف، تشوّهُ المسيرة الفنية والثقافية العربية، وتستغل "حالة النفي" كقميص عثمان، كي تستدرَ عطفَ وإعجابَ بعض مسؤولي الثقافة في منطقة الخليج. وكثير من هؤلاء من "مثقفي الشتات" -الذين يجدون لهم في المنطقة من يُيَسر لهم سُبلَ الوصول إلى المسؤول- يغيبُ عن بالهم مدى الوعي الذي وصل إليه شباب الخليج، مع أن بعضهم تخرّج من ذات الجامعات التي تخرج منها هؤلاء، بل إن المثقفين والمبدعين الخليجيين لديهم الخبرة والإمكانيات ما يُمكن أن يتفوقوا به على هؤلاء، لولا حالات الإحباط والكسل التي تداهمهم في بعض الظروف، فيدخلون "بياتات" شتوية طويلة على رغم صيف الخليج القاتل. وبذلك تضعف ثقة المسؤولين فيهم، وبالتالي يُفسح الطريق لبعض "المناضلين" من المثقفين العرب لعرض بضاعة لهم يعتقدون "أنها لن تبور"!. ونتيجة لذلك، يتم صرفُ الملايين على عرض فني يُعرض لمرة واحدة ثم ينتهى، مع تواضعه من كل النواحي. والإشكالية في هذا الأمر أن هؤلاء يتفننون في رفع قيمة الميزانيات الخاصة بالمشاريع التي يقدمونها! بل إن بعض تلك المشاريع قدّمت من قبل سنوات في دول أخرى! وبعض مسؤولي الثقافة في المنطقة -هداهم الله- يتجاوبون مع تلك الميزانيات المليونية، ولا يحاولون تخفيضها على اعتبار أن أصحابها من "كبار" الفنانين العرب! أو على اعتبار العرف السائد في شارع الشانزليزيه أو "سلون ستريت" بلندن، من أنه كلما زاد سعرُ البضاعة زادت جودتها! ولكن هذه المعادلة قد تصلح في السيارات والساعات والعطور والعقود الألماسية، لكنها لا تصلح في الأعمال الأدبية والمسرحية. ونحن من باب المناصحة، نحتاج إلى وقفة مع هذه الظاهرة التي بدأت تستفحل يوماً بعد يوم. وهي تبدأ بالكتاب ثم الأغنية ثم المسرحية ثم المسلسل التلفزيوني. لدينا شباب مسرحيون وتلفزيونيون، ولدينا كتاب أغنية رائعون، ولدينا ملحنون يُشار إليهم بالبنان في منطقة الخليج، فلماذا لا نفتح لهم الأبواب؟ ولماذا نُعجب فقط بالإنتاج الذي يأتي من الخارج؟! أو يفاخر البعضُ منا، بالوقوف بجانب شخصية فنية قد تكون "أفلست" ولم تجد جديداً ما تقدمه للجمهور؟ أي أنها تقتات على ماضيها، الذي قد يكون جميلا في وقته. ولكن اليوم حيث نشهد تخرّجَ العشرات من المبدعين الخليجيين من جامعات راقية، ومع قدرتهم على تقديم الأعمال الكبيرة، فقط يحتاجون إلى دعم، يجدرُ بنا الوقوف لحظة لمراجعة توجهاتنا، وخصوصاً أن الأعمال الإبداعية تحتاج إلى مبدعين مؤهلين كي يحكموا عليها وليس لقرار إداري يأتي عبر مجاملة! وليس من الحكمة أن يتم استغلال مناسبة وطنية أو ثقافية -في أي بلد خليجي- وقبول أفكار ومشاريعَ تُكتب في ليلة واحدة -في فنادق الدرجة الأولى- وتعرضُ بسرعة على الإداريين؛ لأن "المناضل" العربي سيسافر، ويريد تحويل نصف الميزانية لحسابه في أوروبا، دون أن تتم قراءتها القراءة الفنية/ العلمية المتأنية، والاستماع إلى مواقف الضعف فيها؛ ودون أن تمر المعاملة بالقنوات الإدارية المعمول بها في مثل هذه الظروف. والقصد هنا ليس رفض الأعمال العربية أو الأجنبية؛ بل أن تكون تلك الأعمال بمستوى الأحداث، وبمستوى الحس الفني الذي يحسّ به المجتمع. ولا بأس أن نتواصل مع أهلنا في الخليج للتعرف على نوعية الأعمال والمشاريع التي قدّمت لهم، وكمية الميزانيات التي صُرفت على تلك الأعمال، وما هو المردود من تلك الأعمال؟ كما أنه يتوجب علينا -ونحن مقبلون على الاحتفال بالدوحة عاصمة للثقافة العربية 2010- ألا نجامل أحداً، وأن يُعطى الخبز لخبازه -كما نقول- للحكم على الأعمال والمشاريع المُقدمة لهذه المناسبة الجميلة، كي تكون الأعمال بمستوى الحدث، بل بمستوى قطر. وإن العمل الجيد سيفرض نفسه بغض النظر عمن قدمه.