هل هناك أزمة في الممارسة الديمقراطية على مستوى العالم؟ يبدو أن الإجابة على هذا السؤال بنعم! ذلك أننا لو ألقينا نظرة مقارنة على الدول المتقدمة التي تتصدر المشهد الديمقراطي العالمي، وعلى الدول النامية المتخلفة في المقياس الديمقراطي، لوصلنا إلى هذه النتيجة التي تبدو غريبة لأول وهلة! وقد تنتفي الغرابة لو انطلقنا من مبدأ منهجي مهم، هو أنه دائماً -في مجال الإيديولوجيات السياسية- ما تحدث فجوة بين النظرية والتطبيق، وذلك لأن النظرية -أياً كانت توجهاتها- عادة ما تنبع من الفكر الخالص الذي يحدد المقدمات النظرية ليصل إلى النتائج العملية، بدون أن يلقي بالا بالضرورة للسياق التاريخي، أو للبناء الاجتماعي، أو للظروف الثقافية السائدة. وينطبق ذلك على نظرية الديمقراطية في المقام الأول، فهذه النظرية لها جذور تاريخية ترتد إلى الفكر اليوناني القديم، وإلى ديمقراطية أثينا التي كانت تجربة فذة في ممارسة الديمقراطية المباشرة. غير أن نظرية الديمقراطية تطورت عبر القرون وتعددت أشكالها وتنوعت ممارساتها. بحكم اختلاف أنماط المجتمعات التي طبقت فيها من ناحية، وبسبب نوعية السياقات التاريخية. ولو رجعنا إلى تاريخ القرن العشرين لاكتشفنا في هذا المجال وقائع مهمة تثبت أن الفجوة بين النظرية والتطبيق قد تكون عميقة حقاً. خذ على سبيل المثال الانتخابات الديمقراطية التي صعدت بـ"أدولف هتلر" إلى السلطة. وكيف أنه في فترة وجيزة قلب النظام الديمقراطي الألماني، ليصبح أسوأ نموذج للحكم الديكتاتوري، الذي يقوم على القمع السياسي والبطش بالناس. وإذا تأملنا هذه الواقعة التاريخية، نتوصل إلى فكرة أساسية مفادها أن الديمقراطية ليست مجرد إجراءات تنحصر في تنظيم الانتخابات الدورية النزيهة، والتي تترتب عليها عادة أن الحزب السياسي الذي يحصل على الأغلبية من حقه أن يشكل الحكومة. ولكن الديمقراطية أيضاً نسق من القيم. يقوم على أساس سيادة القانون، واحترام الشرعية، والاعتراف بالآخر. وهكذا إذا كان هتلر قد نجح في ظل انتخابات ديمقراطية نزيهة إلا أن المشكلة -كما ظهرت في الممارسة- هي أنه لم يكن يؤمن بقيم الديمقراطية ولا بفضيلة تداول السلطة، ولذلك انقلب على النظام وحوله إلى ديكتاتورية بشعة. وهناك مثل آخر بالغ الأهمية، ويتعلق بالنظام السياسي الفرنسي. وذلك لأن هذا النظام بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 اتسم بحدة الصراع السياسي بين الأحزاب الفرنسية المتعددة، واحتدام شهوة الرغبة في الوصول إلى السلطة بأي ثمن، والتمتع بامتيازاتها الوفيرة، ما أدى إلى تساقط الوزارات. فكانت تشكل وزارة ما وبعد شهرين أو ثلاثة تسقط، نتيجة الصراعات السياسية وتشكل وزارة جديدة، وتبقى فترة قصيرة ثم تسقط. وقد أطلق علماء السياسة على هذه الظاهرة وأمثالها أمراض الديمقراطية! ويبدو أن هذه الأمراض لم يشف منها النظام السياسي الفرنسي إلا بجراحة عميقة أجراها له الجنرال "ديجول" بطل تحرير فرنسا بكل ثقله التاريخي، لأنه حول النظام إلى نظام رئاسي، ويتضمن سلطات ضخمة لرئيس الجمهورية. وقد أتاح ذلك للنظام السياسي الفرنسي الجديد استقراراً سياسياً نادراً في عالم اليوم، مما سمح لعملية تداول السلطة وفق نتائج الانتخابات الرئاسية أن تتم بصورة حضارية غير مسبوقة. وقد يقول قائل إن ما سقناه عن هتلر وديجول يمثل نموذجين تاريخيين فات أوانهما. ويبقى السؤال: ماذا عن المشهد الديمقراطي الراهن وخصوصاً في الدول المتقدمة في المقياس الديمقراطي؟ سنناقش مثلين: الأول من الولايات المتحدة في إدارة "جورج بوش"، التي استمرت ثماني سنوات كاملة، والثاني من فرنسا بعد نجاح "ساركوزي" في الانتخابات لكي يصبح رئيساً للجمهورية الفرنسية. إن تجربة "بوش" كرئيس للولايات المتحدة شابها الالتباس منذ بداياتها، وذلك لأنه حدثت ارتباكات لا حدود لها في عملية عد الأصوات، إلى درجة تكاد تقترب من الحكم بأنها كانت انتخابات مزورة، تدخلت فيها عوامل شتى لتفقدها موضوعيتها. ومعنى ذلك أن الديمقراطية الأميركية ظهر أن بها شوائب من عند المنبع، ونعني منذ مراحل الترشيح الأولى حتى مرحلة عد الأصوات. ولاشك أن عملية تمويل المرشحين لمنصب رئاسة الجمهورية، والتي تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، من شأنها في حد ذاتها أن تشكك في موضوع تكافؤ الفرص بين المرشحين من ناحية، والتساؤل من ناحية أخرى عن مصالح الممولين من كبار رجال الأعمال ومديري الشركات في هذا التمويل. غير أن "المحافظين الجدد" الذين كونوا إدارة جورج بوش الأولى والثانية، دفعوه دفعاً لكي يختطف النظام السياسي الأميركي بكامله، ويعطي نفسه -على عكس الدستور- الحق في شن الحرب بعد عملية إخضاع منظمة لأعضاء الكونجرس وذلك بعد أحداث 11/9. استفاد "بوش" بتشجيع من "المحافظين الجدد" من جو الرعب الذي ساد المجتمع الأميركي بعد الأحداث الإرهابية الشهيرة، وأعلن حربه والتي كان شعارها "من ليس معنا فهو ضدنا". وكانت أول خطوة خاطئة اتخذها هي شن الحرب على أفغانستان وغزوها عسكرياً. وهكذا أوقع "بوش" -بدون أن يدرس- الولايات المتحدة في المستنقع الأفغاني. ولم يأخذ لا هو ولا جنرالاته الدرس من الهزيمة العسكرية الأميركية القاسية في حرب فيتنام. وقد أورث "بوش" الرئيس "أوباما" كارثة أفغانستان، مما اضطره إلى أن يزيد عدد القوات العسكرية الأميركية هناك، أملا في نصر حاسم يسمح له بالانسحاب بدون أن يفقد ماء وجهه! ولم يكتف "بوش" بمغامرة غزو أفغانستان الفاشلة، ولكنه تمادى -تحت ضغوط المحافظين الجدد- فانطلق لغزو العراق عسكرياً ضد الشرعية الدولية، وضد اتجاهات الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن. وها هي الولايات المتحدة الأميركية تسحب قواتها بعد هزائم مذلة من المدن العراقية، تمهيداً للانسحاب النهائي من العراق في عام 2011. والسؤال الآن: كيف استطاع "بوش" رئيس الجمهورية الأميركية -على رغم الدستور الأميركي والأعراف الدستورية المستقرة- اختطاف النظام السياسي وتوريط المجتمع الأميركي بكل فئاته في حربين لم يخطط لهما تخطيطاً استراتيجياً صحيحاً، وبدون أي فكرة عما ستفعل القوات الأميركية بعد الغزو؟ وأسوأ من هذا كله أن قرارات الغزو المتعجلة، تجاهلت أهمية معرفة التاريخ الاجتماعي الفريد لكل من أفغانستان والعراق! فأي نظام ديمقراطي ذلك الذي يسمح لرئيس الجمهورية، بدون استشارة كافية من المجالس النيابية، عن طريق عرض الحقائق كاملة بدلا من البيانات المزورة، بأن يدفع البلد إلى حرب بطريقة عشوائية أدت إلى هزيمة كارثية؟ومعنى ذلك أن هناك عيوباً جسيمة اعتورت المعمار الديمقراطي الأميركي، مما يدعو إلى التفكير في حلول لعلاجه. والنموذج الثاني هو النظام السياسي الفرنسي. فقد نجح "ساركوزي" بعد معركة انتخابية مظفرة، وأصبح رئيساً للجمهورية خلفاً لشيراك، الذي هو آخر الرؤساء الفرنسيين المحترمين من زاوية احترام التقاليد الدستورية والأعراف الاجتماعية. جاء "ساركوزي" بشخصيته الفريدة التي تريد أن تهيمن على مجمل الفضاء السياسي الفرنسي. وقام بتهميش رئيس الوزراء والوزراء وأخذ يصدر خطاباته في كل شيء من السياسة إلى الاقتصاد إلى التعليم والبحث العلمي. وأراد أن يعيد صياغة المجتمع الفرنسي تحت شعارات الليبرالية الجديدة التي لا تتحدث إلا عن الاستثمار والجودة والتنافسية، حتى لو أدى ذلك عملياً إلى إقصاء طبقات اجتماعية كاملة، أو إلغاء الضمانات الاجتماعية لطبقات الفقراء. ومعنى ذلك أن ساركوزي الذي نجح في انتخابات ديمقراطية لاشك فيها، قد اختطف النظام الفرنسي تحت شعارات الديمقراطية. هل يعني ذلك أن النظرية الديمقراطية تحتاج إلى مراجعة عميقة على ضوء الممارسة حتى في الدول المتقدمة في المقياس الديمقراطي؟ يبدو أن الإجابة على هذا السؤال المحوري هي نعم!