في الأسبوع الماضي استكمل مثلث وكالات الطاقة العالمية أضلاعه الثلاثة بعد فوز دولة الإمارات باستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، لتنضم بذلك إلى منظمة الأقطار المصدرة للنفط "أوبك" ووكالة الطاقة الذرية (IAEA) حيث تستضيف العاصمة النمساوية فيينا مقر الوكالتين الأخيرتين. وأهمية القرار الدولي تتعدى موضوع الاستضافة لتحمل معاني وأبعاداً استراتيجية واقتصادية مهمة للغاية، إذ لأول مرة تفوز دولة نامية باستضافة منظمة دولية بهذا الحجم، وتتحمل بذلك قيادة مهمة تطوير طاقة العالم المتجددة، التي ستحدد مستقبل الطاقة في العالم في العقود القادمة، وذلك بعد منافسة قوية مع بلدان متقدمة، كألمانيا والنمسا، اللتين حاولتا الفوز باستضافة مقر المنظمة الوليدة. ويعبر ذلك عن نجاح كبير للسياسة والدبلوماسية الإماراتية وعن قوة ومنطق الملف الإماراتي الذي كان صادقاً في وعوده الداعمة لتطوير الطاقة المتجددة من خلال اعتماد 135 مليون دولار لهذا الغرض تخصص للبلدان النامية، وبالتالي نافس بقوة الملفين الألماني والنمساوي إلى درجة دفعت بحزب الخضر في ألمانيا الى انتقاد حكومة رئيسة الوزراء أنجيلا ميركل لعدم تمكنها من تقديم ملف بحجم وقوة الملف الإماراتي. وإذن نحن أمام ثلاث منظمات عالمية للطاقة "أوبك" ثم (IAEA) و"إيرينا" ستحدد من خلال أنشطتها وإمكاناتها مستقبل سياسة الطاقة في العالم، وبالتالي ستحدد النمو الاقتصادي العالمي، باعتبار الطاقة مصدر هذا التقدم، والفرق الجوهري بين المنظمات الثلاث يتعلق بآفاق المستقبل، ففي الوقت الذي تختص "أوبك" بمصدر مؤقت وناضب للطاقة و(IAEA) بمصدر يعتمد على المواد الأولية الناضبة أيضاً "اليورانيوم" فإن "إيرينا" تعتمد على مصدر لا ينضب للطاقة المتجددة، وبالأخص الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ومصبات الأنهار، حيث قالت الفرنسية إيلين بيلوس التي انتخبت مديراً عاماً لـ"إيرينا" لصحيفة "غلف نيوز" إن "الشمس هي نفط الغد". وفي الوقت الحاضر لا تتجاوز نسبة الطاقة المتجددة 3 في المئة في ميزان الطاقة العالمي، مقابل 80 في المئة تقريباً لمصادر الطاقة الأحفورية، بما فيها النفط والغاز، إلا أن هذه الصورة ستتغير في عام 2050 حيث ذكر رئيس شركة "رويال داتش شل" في صحيفة "الفايننشال تايمز" الأسبوع الماضي إن حصة الطاقة المتجددة سترتفع إلى 30 في المئة في ذلك العام، مقابل تراجع في حصة مصادر الطاقة الأحفورية. ومن هنا تأتي أهمية وجود مقر المنظمة في العاصمة أبوظبي، إذ أن ذلك سيضيف الكثير لتطوير مصادر الطاقة المستدامة والنظيفة ولزيادة معدلات النمو الاقتصادي بدون النفط في دولة الإمارات ودول مجلس التعاون ودول العالم بشكل عام. وضمن هذه الدلالات والأفضليات التي ستتمتع بها دولة الإمارات تأتي إمكانية تحولها إلى مركز لتقنيات الطاقة المتجددة في العالم، مع كل ما يعني ذلك من تقدم تقني ونمو اقتصادي، فالاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة تتراوح ما بين 120- 150 مليار دولار سنوياً في الوقت الحاضر وستزداد بنسبة 20 في المئة سنوياً، ويتم من خلالها تنفيذ مشاريع عملاقة، كالمشروع الأوروبي لنقل الطاقة الشمسية من شمال أفريقيا إلى أوروبا والبالغة تكلفته 550 مليار دولار. وفي المقابل هناك مشاريع أخرى بنفس الحجم يمكن أن تنطلق في المستقبل، وبالأخص في دول مجلس التعاون الخليجي وبلدان الشرق الأوسط التي تملك حصة الأسد من الطاقة الشمسية المتجددة التي ستكون أبوطبي مركزاً عالمياً رئيسياً لتطويرها، سواء من خلال مقر المنظمة وما يترتب عليها من اكتساب تقنيات متقدمة أو من خلال ضخ استثمارات كبيرة لتنمية مصادر الطاقة المتجددة ومساعدة بلدان العالم، وبالأخص البلدان النامية لاكتساب هذه الخبرات وتنمية مصادر الطاقة المستدامة لديها، مما سينعكس إيجاباً على تنمية اقتصاداتها. ونظراً لهذه الاعتبارات، فإن العالم اليوم يقف أمام تحول حقيقي في مجال الطاقة والاقتصاد العالمي تلعب فيه البلدان النامية دوراً متزايد الأهمية، فقبل عقدين من الزمن لم يكن بالإمكان تصور فوز دولة نامية باستضافة مقر بأهمية مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، فالمنظمات الدولية بهذا الحجم والأهمية تواجدت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن في البلدان الصناعية المتطورة، بل إن منظمة "أوبك" نفسها اتخذت من فيينا مقراً لها، علماً بأن كافة أعضائها من البلدان النامية المصدرة للنفط. وإذا كان دور "أوبك" سيتراجع في المستقبل بفعل تراجع الاحتياطيات النفطية، مما يعني تراجعاً مماثلا في حصة مصادر الطاقة الهايدروكربونية في ميزان الطاقة العالمي، فإن دور "إيرينا" سينمو لتصبح المنظمة الأهم في مجال الطاقة، وذلك بفضل تزايد نسبة الطاقة المتجددة في ميزان الطاقة العالمي في العقود القادمة. بقي أن تستفيد البلدان النامية، وبالأخص البلدان العربية من وجود مقر "إيرينا" في العاصمة الإماراتية وما توفره من إمكانيات كبيرة، سواء من خلال اكتساب وتوطين التقنيات الحديثة في مجال الطاقة المتجددة أو في مجال الاستثمار في مصادر هذه الطاقة المتوفرة بغزارة في بلدان المنطقة، والتي يمكن أن تشكل حافزاً تنموياً يساهم في تقدم هذه البلدان وزيادة وتائر النمو الاقتصادي والاجتماعي فيها وحماية البيئة وتحسين مستويات المعيشة بشكل عام. د. محمد العسومي