يشير مصطلح الأدوية الأساسية، حسب تعريف منظمة الصحة العالمية، إلى الأدوية الضرورية التي تلبي احتياجات الرعاية الصحية لغالبية السكان في مجتمع ما، ويفترض توفرها في جميع الأوقات بكميات كافية وبجرعات مناسبة، وبسعر يجعلها في متناول غالبية الأفراد. وبناء على هذه المعايير، تنشر منظمة الصحة العالمية قائمة دولية بهذه الأدوية الأساسية (List of Essential Medicines) مع تشجيع كل دولة على حدة على نشر قائمة أدوية أساسية خاصة بها، تتوافق مع أولويات الاحتياجات الصحية المحلية. وبالفعل، قامت أكثر من 150 دولة حول العالم بنشر قائمتها الرسمية الخاصة من الأدوية الأساسية، التي غالباً ما تتكون من قائمتين؛ الأولى تعرف بالقائمة الأولية (Core List) والثانية تعرف بالقائمة التكميلية (Complementary List) وهو النظام الذي تتبعه أيضاً منظمة الصحة في تصنيف القائمة الدولية العامة. وإذا ما دققنا النظر في القائمة الأولية الخاصة بالمنظمة الدولية، فسنجد أنها تتكون من الأدوية الضرورية لإدارة وتوفير نظام رعاية صحية أساسي، وتتضمن أكثر الأدوية فعالية، وأكثرها أمناً وسلامة للاستخدام ضد الأمراض الأكثر أهمية، والتي يتم تحديدها بناء على أولويات الرعاية الصحية الحالية، وتوقعات الاحتياجات المستقبلية. أما القائمة الثانية، أو القائمة التكميلية، فتعنى بالأمراض التي يتطلب تشخيصها وعلاجها إمكانيات طبية أكثر تخصصاً، ووسائل علاجية أكثر تعقيداً. وتأتي أهمية هذه القوائم والتصنيفات من أنها تمكن السلطات الصحية، وخصوصاً في الدول النامية، من ترتيب أولوياتها بشكل صحيح، ومن توجيه مصادرها المالية المحدودة في الغالب نحو الاتجاه السليم، الأكثر فعالية والأقل تكلفة. وهذه الأهمية الفائقة للقوائم المحلية للأدوية الأساسية، دفعت بعض المنظمات الخيرية العاملة في مجال الصحة الدولية، مثل منظمة أطباء بلا حدود (Medecins Sans Frontieres) إلى إطلاق حملات دولية تهدف إلى توفير الأدوية الأساسية في الدول النامية والفقيرة. وتتطابق جهود منظمة أطباء بلا حدود في هذا المجال، مع جهود منظمة أخرى تعنى فقط بتوفير الأدوية الأساسية لشعوب الدول الفقيرة، هي اتحاد الجامعات من أجل الأدوية الأساسية (Universities Allied for Essential Medicine). وتتميز هذه المنظمة بكونها منظمة طلابية بحتة، تسعى لتوفير الأدوية، وخصوصاً الأساسية منها، لشعوب الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل، مع زيادة الجهود البحثية الموجهة نحو ما يعرف بالأمراض المنسية أو أمراض الفقراء. وتحقق هذه المنظمة هدفها من خلال العمل مع، والتنسيق بين مجموعات من الطلاب والأساتذة الأكاديميين في كل من الولايات المتحدة وأوروبا وكندا، ليس فقط بغرض زيادة البحث العلمي في مجال أدوية الفقراء، بل أيضاً لتوجيه قرارات الجامعات المتعلقة ببراءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية للاكتشافات التي تتم في المختبرات والمعامل البحثية الجامعية. وهو ما يتم من خلال مجموعات تطوعية من الخبراء في مجالات الملكية الفكرية، ونقل التكنولوجيا، وعلوم الصيدلة وأبحاث الأدوية، وسبل إيصال أفضل مستويات الرعاية الصحية لمن يحتاجونها وبأقل تكلفة ممكنة. وهذه الجهود التطوعية المختلفة في هذا المجال، هي نتيجة ما تواجهه المنظمات الخيرية المختلفة من صعوبات جمة في علاج المرضى والمحتاجين في مناطق نشاطاتها حول العالم، إما بسبب التكلفة الباهظة لما يحتاجونه من أدوية، أو بسبب أن هذه الأدوية أصبحت لا تنتج لضعف عائدها المادي، أو أن ما هو متوفر منها ليس ذا فعالية تذكر أو عالي السمية. وينتج هذا الموقف من حقيقة أن الجزء الأكبر من البحوث الطبية، أو بالتحديد 90 في المئة منها، يختص بعشرة في المئة فقط من الأمراض التي تصيب أفراد الجنس البشري، بينما تحظى 90 في المئة الباقية من الأمراض بنصيب لا يزيد عن 10 في المئة من الأبحاث الطبية. وهذا الهرم المقلوب في جهود البحوث الطبية سببه اقتصادي بحت. فالعشرة في المئة من الأمراض التي تنفق عليها معظم ميزانيات البحوث الطبية، تقع ضمن ما يمكن أن نطلق عليه أمراض الأغنياء. وأمراض الأغنياء تلك هي مجموعة الأمراض التي تنتشر بين سكان الدول الغنية، نتيجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تسود في تلك الدول، مثل مرض التهاب المفاصل المزمن وعته الشيخوخة، اللذين ينتشران بين سكان تلك الدول بسبب ارتفاع متوسط العمر لديهم نتيجة لتطور وشمولية الرعاية الصحية، التي تجنب الكثيرين الموت المبكر. أو مرض السكري الذي ينتج عن زيادة الوزن وقلة الحركة اللذين أصبحا يميزان نمط الحياة لدى أفراد تلك الشعوب، أو مرض تليُّف الكبد الناتج عن الإفراط في تناول الكحوليات. وتتميز هذه الأمراض بأن المصابين بها غالباً ما يكونون من الأغنياء القادرين على دفع أثمان مرتفعة لعلاجهم، مما يجعل الأبحاث في مجالات تلك الأدوية أكثر إغراء من الناحية المالية لشركات الأدوية. أما أمراض الفقراء، التي غالباً ما تكون أمراضاً استوائية، فغالباً ما تقع بين سكان دول لا يسمح مستوى دخلهم بدفع أثمان للأدوية التي تعالج هذه الأمراض، بدرجة تجعل الاستثمار في أدوية أمراض الفقراء استثماراً ذا عائد غير جيد لشركات الأدوية. وربما كان أفضل مثال يوضح هذه الواقعة، هو حقيقة أن ما ينفق سنوياً على مستحضرات التجميل والأدوية المنشطة جنسياً، يتخطى بكثير حجم ما ينفق على بحوث وعلاج الأمراض الاستوائية جميعها، مع أن عدد ضحاياها يتعدى الملايين كل عام. د. أكمل عبدالحكيم