تبدو الثورة الإسلامية في إيران وكأنها لم تستوعب شيئاً من دروس التاريخ ولم تحاول الإفادة من تجارب الثورات السابقة عليها رغم مرور 30 عاماً على قيامها، بل نراها تكرر نفس أخطاء الثورات الماضية وبخاصة الثورة المصرية وتقع في نفس أزماتها الخانقة، وهذا ما تفسره سلسلة الاحتجاجات الجماهيرية في إيران ضد نتائج الانتخابات الرئاسية مؤخراً، وما قامت به السلطات الإيرانية من رد فعل عنيف ضد المسيرات السلمية؛ ما نتج عنه سقوط ضحايا، واعتقال عدد واسع من المتظاهرين، إضافة إلى طرد المراسلين الأجانب واحتجاز موظفي السفارة البريطانية، وفرض تعتيم إعلامي واسع، وحجب المواقع الإلكترونية، ومنع الاتصالات الهاتفية... وكل ذلك مؤشر واضح على شدة التأزم السياسي الذي انتهت إليه الثورة في إيران. إذا عدنا إلى الثورة المصرية عام 1952 فإن رجال الثورة المصرية ورثوا تركة غنية وخزينة عامرة ووضعاً اقتصادياً مزدهراً وصناعات متطورة، كان الجنيه المصري يساوي جنيهين استرلينيين، وكانت مصر دائنة لبريطانيا، وكان الوضع الديمقراطي في مصر متقدماً، تتمتع فيه الأحزاب السياسية بكافة حرياتها، وتتداول السلطة سلمياً وتلعب دوراً وطنياً رائداًِ، وحريات التعبير واسعة، وكانت الثقافة مزدهرة، وكانت مصر بلداً يشع بالتنوير، وكان هناك برلمان حقيقي يقول فيه "العقاد" الكاتب الكبير كلمته المشهورة: إن البرلمان على استعداد لتحطيم أكبر رأس في الحكومة... تسلّم الثوريون هذه التركة الثرية ووعدوا الجماهير وعوداً كثيرة ورفعوا شعارات عظيمة، لكنهم مارسوا قمعاً وترهيباً وزجوا بالمعارضة في السجون والمعتقلات الوحشية، وعذبوا وأعدموا وأخذوا الناس بالشُبهة وسلطوا "زوار الفجر" عليهم، حيث كان يُختطف الرجل من أحضان بيته ليختفي وراء الشمس، ثم صفّى الثوريون بعضهم بعضاً لينتهي ذلك بهزيمة مدوية، وخزينة خاوية واقتصاد مفلس وديون فلكية وسلاح مدمر وأوضاع خربة ونفوس ذليلة ومناطق من الوطن محتلة وقناة مائية معطلة. ذلك هو الوضع المأساوي الذي انتهت إليه الثورة المصرية بعد 15 عاماً من قيامها. أما الثورة الإسلامية في إيران فقد قامت عام 1979 والتفت الجماهير حولها، وضحى الناس بأرواحهم في سبيلها، لقد تسلم رجال الثورة الإيرانية بلداً غنياً وثروات طائلة، كان التومان الإيراني عزيزاً وكان الوضع الاقتصادي قوياً والصناعات الإيرانية متقدمة وكانت هناك أحزاب سياسية حقيقية تتنافس وتلعب دوراً ديمقراطياً في محاربة الفساد والديكتاتورية، كانت إيران تستقطب السياحة والثقافة وكانت جامعاتها نماذج متقدمة في المنطقة وتشع تنويراً ومعرفة وتواصلا مع العالم، كانت إيران جسراً حضارياً بين الشرق والغرب، تسلم رجال الثورة هذا البلد الثري لينتهي بهم الأمر إلى وضع مأساوي أصبح الشعب الإيراني يعاني فيه من اختناق اقتصادي وبطالة متفاقمة وأوضاع متردية على كل الأصعدة: الاجتماعية والثقافية والتعليمية والخدمية. إيران أغنى دولة بترولية عجزت عن إقامة معمل لتكرير البترول ولا زالت تستورد البنزين وتوزعه بالبطاقات المقننة، والتومان الذي كان عزيزاً شامخاً سقط على الأرض وأصبح برخص التراب، إيران اليوم تعاني عجزاً مالياً وتضخماً حاداً، لقد استقال 120 أستاذاً في جامعة طهران بعد اقتحامها الدموي والاعتداء على طلابها. أما رجال الثورة فقد صفوا بعضهم بعضاً طبقاً للمثل "الثورة تأكل أبناءها" وشعارات الثورة كلها ذهبت أدراج الرياح، والديكتاتورية التي قامت الثورة من أجل مقاومتها عادت بشكل أكثر وحشية، والفساد الذي قاموا لمحاربته عاد بشكل أكثر انتشاراً ورسوخاً، والنموذج الإيراني في الحكم والذي كان بعض الإسلاميين عندنا يطنطنون به أصبح حكماً شمولياً، وجاءت الاحتجاجات الجماهيرية العاصفة لتكشف مزاعم أنصار إيران في المنطقة من أن هناك ديمقراطية إسلامية نموذجية في إيران وأن وسائل الإعلام الغربية هي التي تتعمد تشويه هذه الديمقراطية. لقد ثبت باليقين القاطع أن الفساد والاستبداد والمحسوبية عوامل كامنة في أصل النظام وقد تجلّت في مظهرين: البؤس الاقتصادي وقمع الحريات، وللمرء أن يتساءل متعجباً: عن ماذا يدافع هؤلاء المتحمسون للثورة الإسلامية في إيران، المفتونون بها؟ وبأي شيء من إنجازات الثورة يفتتنون؟ إنها الأدلجة العمياء لا غير. الثورة الإسلامية في إيران سارت على نفس درب الثورة المصرية واستنسخت أخطاءها في 5 أمور هي: 1- الانشغال بالصراع الخارجي على حساب تنمية الداخل، وذلك برفع الشعارات الحماسية وتحريض الجماهير وتعبئتها ضد العدو الخارجي (الوهمي) الذي يستهدف إيران ويخطط للتآمر عليها وبخاصة "الشيطان الأكبر" الذي لا يريد لشعب إيران خيراً ومن ثم اتهام المعارضة في الداخل بالخيانة والعمالة. لقد وجد النظام السياسي الإيراني في الصراع الخارجي حلا مريحاً لمشاكل الداخل لدرجة أنه كان يفتعل أزمات خارجية كخيار مفضل للخروج من أزمات الداخل، وهو نفس المسلك الذي سلكته الثورة المصرية حيث أصبح شعار "الموت لأميركا" هو الزاد اليومي للجماهير لتغييب وعيها وصرفها عن أوضاعها المأساوية. 2- الإنفاق الهائل على التسليح: بددت إيران نصف ثروتها على تكديس السلاح وتخصيب اليورانيوم ضد عدو وهمي، وهي -قطعاً- لن تستخدم هذا السلاح كما لم تستخدمه مصر التي أنفقت مواردها على الصناعات الثقيلة والسلاح ودمرتها إسرائيل في 6 ساعات، لا توجد أية مبررات لإيران في تبديد الثروة الوطنية على السلاح لكنها تحاول إقناع الجماهير بأن هناك أعداء متربصين بها تجب مواجهتهم والاستعداد لهم. ولأنها في عالم لا يحترم إلا القوة، لذلك فإن إيران تتباهى عندما تطور أمراً متعلقاً بالسلاح الحربي كما في مسألة الصواريخ وتطلق أسماء تبجيلية عليها مثل مصر التي أطلقت "القاهرة" و"الظافر". 3- شراء الأقلام والصحف والمنابر الإعلامية والجماعات الموالية: إيران تهدر ثروتها الوطنية في تمويل جماعات موالية مثل "حزب الله" و"حماس" و"الجهاد" وغيرها بهدف تأجيج الصراعات والانشقاقات مع النظم السياسية الحاكمة، وكذلك تدعم كتّاباً عربا محسوبين عليها تنحصر مهمتهم في تمجيد النظام وتبرير أخطائه والتصدي للمنتقدين ووصفهم بعملاء الغرب، وهو نفس المسلك الدعائي للثورة المصرية التي أهدرت الملاليين في شراء الأنصار والذمم لتمجيد الثورة المصرية وكل ذلك على حساب الشعب المطحون. 4- تصدير الثورة: الثورتان المصرية والإيرانية اتخذتا من تصدير مبادئ الثورة استراتيجية سياسية بهدف التغلغل وكسب النفوذ والأنصار، وهاهو رئيس جزر القمر يستصرخ الغرب من مد إيران هناك، كما قطعت الرباط علاقاتها مع طهران. 5- قمع المعارضة: تتشابه الثورتان الإيرانية والمصرية في رصد الميزانيات الضخمة للقوات الأمنية في الدخل لقمع المعارضة وتأمين النظام، فهناك "الباسيج" وهي قوات متطوعة، إضافة إلى "الحرس الثوري" القوة الحاسمة للنظام إضافة إلى "البوليس السري" بمعنى أن نصف الشعب الإيراني مجنّد فقط لتأمين النظام، وهم يستنزفون الموارد والطاقات في غير خطط تنموية وإنتاجية تعود ثمراتها على الشعب. وهكذا تضيع موارد أغنى دولة في العالم بالإدارة السياسية السيئة وبالأوهام الأيديولوجية الحاكمة وبشعارات الماضي، ويظل الشعب البائس يعاني وضعاً مأساوياً خانقاً.