تسعة وثمانون عاماً مرت على العراق بين حدثين، متشابهين شبه الغراب بالغراب، ماعدا تبدل الهويات: السبت 30 حزيران 1920 انطلاق ما عُرف بثورة العشرين لجلاء الإنجليز، والثلاثاء 30 حزيران 2009 جلاء الأميركان من المدن. يُحتفل في الأول على أنه يوم "الثورة الكبرى"، وفي الثاني على أنه يوم التحرير. ولا أدري، هل كان التوقيت محسوباً! فكل خطاب حكومي في مؤتمرات العشائر يحتفي بأبطال "الثورة الكبرى"، يقابله، وبالنغمة نفسها، خطاب المقاومين المدعين وراثة الحدث عن الأجداد، حتى تشكلت جماعة بـاسم "كتائب ثورة العشرين"! لست بصدد نقد الحدثين، إيجاباً أو سلباً، ولا البحث عن أسباب الاقتران الزمني بينهما، مع أن هذا الاقتران، بحد ذاته، يصلح لإنشاء بكائية في الشعر والأدب المنثور، تفوق حماسة ما نسجه الشعراء والهزاجون في تلك "الكبرى"، وما سُتر، في قراءة تاريخها، من رغبة ضيقة لشيخ عشيرة أو رجل دين، وهذا الانسحاب الذي يتسابق الحكوميون والمقاومون على بطولته! كل منهما يريد القول: "يوم من الأيام لم تصنع أشعته... شمس الضحى بل صنعناه بأيدينا"، هذا ما قاله القاضي اليمني محمد محمود الزبيري (اغتيل 1965) في ثورته. وأراها مجرد مزاعم وخيالات بحجم عبثية الأهزوجة: "الطوب أحسن لو مكَواري"! أقول هذا لا تعالياً على الحدثين لكنني، وغيري من الجيل المحبط، بتنا متخمين بالمزاعم، فكيف مَنْ استقبل البريطانيين للحصول على وجاهة، أمسى ثائراً عليهم! وكيف مَنْ حمله الأميركان إلى نعمة السلطة، والجلوس على خراج أرض السواد غدا محرراً للبلاد منهم! أقول: لَعنَ الله الجيوش الغازية، مع أن مفردة الغزو وغازي من مأثوراتنا العتيدة، لكن كيف أخذت المواقف تُعكف وتُلوى بعد الوصول إلى بغداد! أحدهم قال بعد الدخول مع الغزاة: "نبدأ نشتم الأميركان"! وهو القائل: "سقطت دولة السُنّة"! ومعنى هذا النية في اللعب على ورقة الطائفية. وآخر دعا إلى التحرير منذ اليوم الأول! وكلٌ ذهب مؤتلفاً بائتلافه، حتى أمسى الغزاة أكثر وطنية وغيرة على العراق من أبنائه! وأخذت المواقف تندرج تحت الحديث: "حُبَّك الشَّيءَ يُعمي ويَصمُّ" (الماوردي، الأحكام السُلطانية). لا أتهم أحداً بعمالة، لكنني لا أجد العراق في قلب السياسة العراقية، أكثر من: الطائفة، والقوم، و "عصبة الحزب المدمرة". اُحتفل بالمناسبتين، الثورة الكبرى ويوم التحرير، في يوم واحد، ولم تُقلب صفحات عشرة عقود راحت هباءً. فكم عراقي ولد عام1920 وما زال حياً! ربما على عدد الأصابع لا أكثر، فتسعة وثمانون عاماً، بالنسبة للعراقي، وما مرَّ عليه من أهوال، يُحسب بعمر "لُبد"، آخر نسور لُقمان. وكم من مشروع ظهر بنيانه وهدَّ بانقلاب! مفارقات لا تنتهي، وقد يصعب حتى تأريخها. ومن الحوادث ما لا تسجل بريشة ومداد، لضخامتها، وعجائب نسجها: "وفي النفسِ ما أعيا العبارة كشفه... وما قَصرَ عن تبيانه النظمُ والشعرُ" (الرصافي: رسائل التعليقات). هناك مطابقات بين "الحزيرانين"، وكأن الزمن توقف عن الجريان، وأن عشرة عقود لا قيمة لها في تاريخنا. كان صراع الأمس يجري لصالح التقدم والبناء، رغم بساطة تلك الأيام، فلم تشهر السيوف والخناجر في الحوار في قضايا فاصلة، مثل بناء الدولة، وإقرار القوانين، وما معركة السفور والحجاب، بين أعيان تلك الفترة، إلا ملمح من ملامح بداية المدنية ببغداد وتوابعها. كان أعيان (1920) يتبرعون، ولا يفسدون، فمن تبرعاتهم شيدت المدارس والمكتبات، وفي مقدمتها الثانوية المركزية بالبصرة، والمدرسة الجعفرية ببغداد، ولم يُشر للمتبرع بطائفته، ولا للمدرسين والدارسين بها. في عام 1920 تأسست مكتبة "السلام"، وهي نواة المكتبة الوطنية. أسسها الراهب والوزير يوسف غنيمة (ت 1950)، والكاتب وأحد منشئي مجلة "لغة العرب" الأديب الشيعي كاظم الدجيلي (ت 1970)، والحقوقي والوزير السُنَّي حمدي الباجه جي (ت 1948) وغيرهم. ويروى في تأسيسها: "فُتح باب التبرعات فأجاد الحاضرون بالمال والكتب لتحقيق هذا المشروع" (السياسي الأديب يوسف غنيمة). وبعد حزيران (1920) تأسس أول مٌتحف عراقي، ونشأت البنوك والمصارف، وبدأ التفكير في كيفية استغلال بدايات الفورة النفطية، حتى توجت، في ما بعد، بمجلس الإعمار. وأكثر من هذا نشأت الأحزاب السياسية على أساس المواطنة لا الطائفة ولا القومية، ومن أمثلتها "حزب الوحدة الوطنية". اشترك في تأسيسه رموز من وجهاء العراق ومن مختلف المناهل، وعبرَ بيان تأسيسه عن رغبة المؤسسين في توحيد كافة الأحزاب في حزب واحد، فحسب رأيهم "تعدد الأحزاب يؤدي إلى التفرقة بين المواطنين" (الأحزاب والجمعيات السياسية في القطر العراقي). كذلك شهدت تلك الفترة تأسيس النوادي الثقافية: نادي "القلم العراقي"، و "جمعية النشء العراقي"، وقد اشترك في ريادتهما: الوزير الشيعي عبدالغني الدلي، والشاعر السُنَّي جميل صدقي الزهاوي (ت 1936)، والوزير المسيحي روفائيل بطي (ت 1956)، والشخصية المعروفة الكُردي إبراهيم أحمد (ت 2000) وسواهم. وكانت الغاية: "تقوية رابطة الأخوة بين العراقيين، والعمل على بناء العراق" (نفسه). أما في مجال الفن ففتحت صالات السينما، وتألق الموسيقيون والمغنون العراقيون، وكُتاب القصة، وليس عبثاً أن يولد الشعر الحديث بالعراق وبقصائد عراقيين. واحتفت بغداد بزيارة كبار الفنانين المصريين، وليس أكبر آنذاك، وفي ما بعد، من محمد عبدالوهاب وأم أكلثوم. كذلك احتفت مصر بفناني العراق في الثلاثينيات. وعاد المبعوثون إلى الخارج جهابذة في العمارة والآثار وبقية العلوم والفنون. كل هذا والعراق قد خرج تواً من السيطرة العثمانية، التي استمرت لحوالي خمسة قرون على نسق واحد من التأخر، ما عدا ومضة الوالي مدحت باشا، والتي سرعان ما انطفأت باغتياله عام 1884. وبالمقابل حل حزيران (2009) زمن المفسدين والمختلسين، والمزورين للشهادات وادعاء الكفاءات، لا المتبرعين لأجل مدرسة أو مكتبة. زمن استحالت فيه جمعيات الأيتام إلى جمعيات ثراء للقائمين عليها، وتحولت وزارة التربية والتعليم إلى تكايا مظلمة، وتحولت فيه التجارة من أمانة وزيرها جعفر أبو التمن (ت 1945) إلى فسادها الحالي، والذي برهن، هو وفساد أخواتها، أن القوى الدينية ليست منزهة عن الفساد وخيانة الأمانة! بل ربما هي الأكثر تمادياً تحت مبررات فقهية منها: "التصرف بمجهول المالك وفق المصلحة"! وتحولت ثروة النفط من حرص وزير المال ساسون حسقيل (ت 1932) وتحقيق "دفع العوائد على أساس الذهب" (أعلام اليهود في العراق)، إلى تهريب النفط بلا واعز ولا ضمير، وأخذ الرُشَى من العقود بلا حساب. لم يحسب أحد حساب تسعة وثمانين عاماً راحت بأيامها ولياليها هباءً منثوراً، ليبدأ التأسيس من جديد، لكن على حاضر خاوٍ، وبأيدِ منها ما لا يؤتمن "على ورك القلوص". إنها حقبة يشعر بضياعها المخضرم الذي شهد كيف شُيدت البلاد وكيف هُدمت.