كل حديث فيه قولان إلا حديث الأرقام فلا جدال فيه ولا احتمال، فالأرقام والنسب والإحصائيات دائماً تجعلنا نقف أمامها باحترام لأنها غالباً ما تأتي نتيجة معطيات عديدة. وخلال الأشهر القليلة الماضية أثارت انتباهي بعض الأرقام التي تتعلق بالوطن والمواطن في الإمارات والإشارة إلى بعضها يثير فضولا وتساؤلات، ففي بلد مثل الإمارات الأرقام مهمة جداً ليس من الناحية الاقتصادية بل وحتى من الناحية الاجتماعية، حتى وإن كانت نسبة 1 في المئة فهي تعني الكثير. من القضايا الوطنية المهمة التي تثير أرقامها الاهتمام موضوع التركيبة السكانية التي يفترض أن أحد حلولها هو زيادة عدد المواليد من المواطنين، ولكن عندما نعرف من خلال إحصاءات منظمة الصحة العالمية أن هناك انخفاضاً في معدل المواليد في الإمارات بنسبة 50 في المئة تقريباً خلال العقدين الأخيرين، حيث انخفضت نسبة الخصوبة من 4.4 طفل للمرأة الواحدة إلى 2.3 طفل، فإن هذا الرقم يفترض أن يجد من يقف أمامه طويلا. وخصوصاً إذا انتبهنا إلى تحذير الهيئة العامة للشباب والرياضة، في تقرير أصدرته، من انخفاض نسبة الشباب في الفئة العمرية بين 15 و24 عاماً، على أن تصل نسبتهم في عام 2025 إلى 23.4 في المئة من المواطنين، بسبب تراجع معدلات الخصوبة وتأخر سن الزواج للفتيات. ويصير ذلك الرقم أكثر إثارة عندما نعرف أن توقع هيئة "تنمية" في هذا الموضوع هو تراجع نسبة المواطنين من إجمالي سكان الإمارات بحلول عام 2010 إلى 13.3 في المئة من 21 في المئة حسب تعداد 2005، حيث سيصبح عدد المواطنين مليون نسمة وإجمالي عدد السكان بالإمارات 7.5 مليون نسمة. وفي نفس الموضوع لا يمكن أن نتجاهل ما تم الإعلان عنه مؤخراً من تزايد نسبة الطلاق المبكر بين المواطنين خاصة في العامين الأول والثاني للزواج وبنسبة تصل إلى 66 في المئة وفقاً لإحصاءات المحاكم في الدولة. وعلى سبيل المثال زادت دعاوى الطلاق التي نظرتها محاكم رأس الخيمة بنسبة 77.4 في المئة خلال ثلاث سنوات حسب مسؤول في دائرة محاكم الإمارة، وقد أرجع السبب إلى القروض البنكية التي عجز أزواج عن تسديدها ونتجت عنها مشاكل أسرية... وهنا لابد أن نشير إلى مشكلة أخرى مرتبطة بهذه القضية وهي المسألة المادية وتأثيرها على نمو واستقرار الأسرة الإماراتية، وكذلك القروض الشخصية، فقد أظهرت بيانات المصرف المركزي أن حجم القروض الشخصية لأغراض تجارية بلغ في سبتمبر الماضي 159 مليار درهم كما كشفت تلك البيانات أن 70 في المئة من المواطنين مدينون للبنوك... فإذا أضفنا نسب الطلاق إلى نسبة انخفاض الخصوبة نجد نتائج مخيفة! أما إذا أضفنا أرقام الأمم المتحدة حول حوادث السيارات والتي أظهرت أن إماراتياً واحداً تحت سن 25 يلقى حتفه كل 35 ساعة جراء حوادث الطرق في دولة الإمارات نتيجة السرعة أو القيادة الطائشة أو عدم استخدام حزام الأمان، فسنجد أننا أمام قضية وطنية كبرى وتحد تخفيه الأيام ولكن الأرقام لا تخفي شيئاً بل تكشف كل ما تخفيه الأيام. أما الموضوع الآخر في مسألة الأرقام فهو موضوع التوظيف والتوطين، وعلى الرغم من تضارب الأرقام في هذه القضية إلا أنه يمكننا الحديث عنها؛ فالأرقام التي لدى هيئة "تنمية" تقدر نسبة التوطين في القطاع الحكومي بنحو 44 في المئة أي بواقع 28 ألفاً و400 مواطن ومواطنة، من مجمل العاملين في الوزارات والهيئات الحكومية الاتحادية والبالغ عددهم نحو 65 ألفاً... وهذه النسبة شهدت انخفاضاً في الآونة الأخيرة أدى بالحكومة إلى البدء بدراسة الأسباب وراء انخفاض نسبة التوطين في الوزارات والجهات الحكومية، ووضع الاقتراحات والتصورات المناسبة لسد هذه الثغرة. أما في القطاع الخاص فقد كشفت وزارة العمل أن عدد العاملين في هذا القطاع من المواطنين بلغ 11 ألفاً و233 موظفاً بواقع 0.34 في المئة من مجموع العاملين وبلغ عدد غير المواطنين العاملين بالقطاع الخاص 3 ملايين و250 ألف عامل مع بداية 2008. ورغم إشادة منظمات المجتمع المدني المشاركة في منتدى "مانيلا" العالمي للهجرة والتنمية مؤخراً بمبادرة الإمارات الرامية لتحسين أوضاع العمالة الوافدة واعتبارها "أن الإمارات قدمت نموذجاً رائعاً في هذا المجال"، ورغم النسبة البسيطة للمواطنين في القطاع الخاص، فإن وزارة العمل كشفت أنها تلقت 64 شكوى من مواطنين عاملين في القطاع الخاص خلال العام الماضي وحتى الأشهر الأولى من العام الجاري، ومن بين هذه الشكاوى 37 شكوى بسبب الفصل التعسفي من العمل و27 تتعلق بتأخر الأجور! ومع بداية الأزمة فصلت إحدى شركات القطاع الخاص أكثر من 30 مواطنا بحجة الأزمة المالية مما أدى إلى إعلان وزارة العمل عدم قبولها استغناء القطاع الخاص عن المواطنين في وقت تستقبل فيه الوزارة أعداداً كبيرة من طلبات العمالة الأجنبية سنوياً. كما تبحث هيئة "تنمية" سن قانون يمنع القطاع الخاص من الاستغناء عن الموظفين المواطنين. لقد صار من المهم جداً اليوم أن تكون هناك جهة واحدة تعلن عن تلك الأرقام... صحيح أنه لا يمكن توحيد الجهات التي تقوم بالدراسات والتي تجمع البيانات وتخرج الأرقام، لكن من يعلن تلك الأرقام يجب أن يكون شخصاً أو جهة محددة ومسؤولة، فالنقص في المعلومات أو عدم الدقة في الأرقام مسألة في غاية الحساسية وتؤثر على مجهودات الدول والحكومات بشكل كبير، فلا يكفي أن يتم العمل لكن المهم أن يكتمل، ولن يكون ذلك إلا بالإعلان عنه بالشكل السليم والدقيق. وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن التقرير العالمي للفجوة بين الجنسين لعام 2008 والذي أصدره "المنتدى الاقتصادي العالمي" صنف الإمارات في المرتبة 105 من أصل 130 وارتكز التقرير على: التمكين السياسي، التحصيل العلمي، الفرص الاقتصادية، والصحة. حدث ذلك رغم أن الإمارات مرت بتجربة انتخابية جزئية في عام 2005، ورغم أن المرأة الإماراتية صارت قاضية وسفيرة ووزيرة وعضواً في البرلمان، ورغم أن تقرير "مؤسسة الفكر العربي" يكشف أن الإمارات هي الأولى عربياً في تعليم البنات بالمرحلة الجامعية. هذا ووفقاً لتقرير منظمة "اليونسكو" لعام 2008، فإن الإمارات تتقدم الدول العربية في ثلاثة أهداف متعلقة بالتعليم تتمثل في تعميم التعليم وتكافؤ فرص التعليم بين الجنسين وخفض معدلات الأمية إلى النصف. ورغم كل ذلك فإن بعض التقارير الخارجية ما تزال تصنف الإمارات في مراكز متأخرة، حيث تتقدم عليها دول لا تبذل ربع الجهد الذي تبذله الإمارات من أجل تحسين وضعها! صار من الواضح إذن أن تضارب المعلومات والأرقام وتعدد الجهات التي تصدر عنها في الإمارات، يؤديان إلى ضياع جهد كبير وعمل طويل، وإلى استمرار تصنيفات لا تعكس ولا تعبر عن حقيقة التنمية الشاملة في دولة الإمارات.