مرة أخرى يفشل الحوار الفلسطيني - الفلسطيني. أصبح عموم العرب مجبرين على الاعتقاد بأنه لا إرادة حقيقية عند أي من الفصيلين الرئيسيين في التقارب، ناهيك على التوافق. القضية مع الاحتلال أصبحت بين قوسين، على ما يبدو، لتحل محلها قضية كل فصيل مع مأزقه وطموحاته وقدراته. لو كانت للقضية الوطنية أولوية لكانت الممارسات مختلفة تماماً، وإلا فماذا تعني حملة اعتقالات قبيل الحوار لابد أن تقابلها حملة مضادة. وفي غمرة الاعتقالات والنقاش المحموم حولها أفرجت إسرائيل عن رئيس المجلس التشريعي عزيز الدويك، ولم يكن اعتقاله مبرراً ولا قانونياً، لكن إطلاقه في هذا التوقيت لم يعنِ شيئاً آخر سوى أن إسرائيل لا تزال تراهن على الانقسام، بل تشتغل عليه في الوقت نفسه قيل إن أمن سلطة رام الله يمكن أن يفرج عن مئة معتقل من "حماس"، أي أن لديه مئة محتجز لا مآخذ له ضدهم، لكنه يحتجزهم، في المقابل. ومنذ سيطرة "حماس" على غزة، لم تتوقف سلطتها أو حكومتها على الاعتقالات والافراجات لأنصار "فتح" وكوادرها، يتساوى في ذلك أن توجه إليهم اتهامات محددة أو لا تتهمهم إلا بكونهم ليسوا معها. يرتهنون مواطنيهم، يخطفونهم على الهوية السياسية، ثم يذهبون إلى القاهرة ليتراشقوا بالاتهامات، واضعين المعتقلين في بازار مقيت. وهي في أي حال مناسبة لنتعرف إلى بعض الأرقام وليس كلها، فمصادر "حماس" تحدثت عن نحو ألف معتقل لها في الضفة. أما مصادر "فتح"، فتكتفي بالإشارة إلى مئات من المعتقلين لها في غزة، ولا "امنستي انترناشونال" ولا "الصليب الأحمر" باعتبار أن الهلال الأحمر لا يهتم عادة - استطاعوا الاطلاع على أوضاع هؤلاء السجناء، أقله لمقارنتها مع أوضاع الأسرى في سجون الاحتلال. وليس معروفاً لماذا تستعصي، أو يجب أن تستعصي، مسألة المعتقلين على الحل، إلا إذا كان كل طرف توصل إلى أن منهج احتجاز رهائن، يمكن أن يفيد في أي مساومة سياسية. كيف ينكرون على إسرائيل مثل هذه الجريمة الأخلاقية ثم يجيزونها لأنفسهم. وإذا كانوا - كما يقال - توصلوا إلى حلول لمختلف ملفات "المصالحة" بنسبة تراوح بين 80 إلى 90 في المائة، فهل يأملون أن ينجزوا الحلول كاملة عبر تبادل الضغوط باحتجاز الرهائن. إنهم يعرفون أن المسألة ليست المعتقلين، لكن مواصلة ارتهانهم تنم عن الاستخفاف بأبسط حقوق الإنسان، الإنسان المعتقل كيدياً لدى هذه الحكومة أو تلك، والإنسان المرتهن لدى سلطة الاحتلال الإسرائيلي. فاحترام الإنسان يكون واحداً أو لا يكون. المسألة إذاً سياسية، لها علاقة بالصراع على السلطة والنفوذ، أكثر مما لها علاقة بالسعي إلى اتفاق ومصالحة وانتخابات وتعايش وعودة إلى مواجهة الاحتلال وازعاج العدو الحقيقي الوحيد. ولأنها سياسية فهذا يعني أنها ليست فلسطينية بحتة، إنها عربية بجدارة وامتياز. وطالما أن ثمة ألاعيب عربية لم تنته بعد، على رغم المحنة السقيمة التي رافقت حرب غزة، فإن المصالحة الفلسطينية ستبقى متأرجحة تتقاذفها العواصم المعنية بتمويل الفصائل وإيوائها إلى أن يفتح عليها بصيغة ترضي جوعها إلى النفوذ، وأي نفوذ. من يمكن أن يرى أي حكمة في صراع عربي على نفوذ على هذا الفصيل أو ذاك، حتى أن الصراع بلغ من التكالب حداً أعمى جعل إيران تدخل على الخط وبقوة. كان العرب والفلسطينيون يواصلون جولات العبث العقيم، فيما كانت لجنة دولية تابعة للأمم المتحدة تستمع إلى الشهود الغزيين في تحقيقها حول ممارسات الجيش الإسرائيلي خلال حرب غزة. وكانوا يمعنون في ذلك العبث عندما أصدرت "منظمة العفو الدولية" تقريرها الذي يؤكد وقوع "جرائم حرب" في القطاع. لكن أحداً لم يهتم. العرب أوكلوا الأمر للآخرين، حتى التغطية الإعلامية لهذين الحدثين كانت أقل من عادية. كل ما يمكن أن يتعلق بالمحاسبة القانونية، بالاحتكام إلى المعايير العصرية للحياة البشرية، وبالعمل المتأني الدؤوب لملاحقة المجرم لئلا يفلت من العقاب.. كل ذلك لا يستسيغه العقل العربي، أو يعتقده من البديهيات التي لا يحمل نفسه عناء إثباتها، إلا أنه يستسهل الاستقواء والتشكيك والتخوين والتجريم لكن بين العرب أنفسهم. لا مجال للمراهنة على الحكمة والنزاهة، لكن ما العمل الآن؟ مزيد من الاعتقالات، لعلها تفيد، مع أنها لم تفد سابقاً. أم الإفراج عن المعتقلين والعودة إلى الحوار مع إرادة ونيّة للمصالحة، خصوصاً أن الأصعب سيكون بعد المصالحة عندما ستضطر الفصائل والممسكون بخيوطها للنزول شيئاً فشيئاً من الشجرة لمواجهة الواقع على الأرض، الواقع الصعب الذي يعيشه الناس وقد سئموا الفصائل وصراعاتها، ومن هم وراء الفصائل وصراعاتهم.