حتى الآن، يبدو أن أوباما ليس محظوظاً مع الانتخابات التي تجرى في الخارج. فعلى سبيل المثال، أسفرت الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في العاشر من فبراير الماضي عن تشكيل الحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل على الإطلاق. وبالتالي، فإنه لا ينبغي التعويل عليه كثيرا من أجل البحث بشكل نشط عن اتفاق سلام مع الفلسطينيين. ونتيجة لذلك، فالأرجح أن باراك أوباما إما سيضطر إلى التخلي عن آماله في تحقيق السلام -ومعها هدفه الاستراتيجي المتمثل في تحقيق المصالحة بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي - وإما سيضطر إلى الدخول في رهان قوة مع تل أبيب. كانت أولوية باراك أوباما الأخرى هي إعادة إدماج إيران ضمن المجتمع الدولي، وتخفيف حدة التوتر بين الولايات المتحدة وهذا البلد، ومخرج معقول للأزمة التي نتجت عن برنامج طهران النووي. والحقيقة أن انتخابه، ثم الخطاب التاريخي الذي وجهه إلى العالمين العربي والإسلامي من العاصمة المصرية القاهرة، كانا سببين قويين لإشاعة مشاعر الأمل والتفاؤل بالنسبة للكثير من الإيرانيين، وبخاصة في أوساط فئة الشباب منهم. غير أنه للأسف وبدلا من أن تفضي الانتخابات إلى وصول مرشح معتدل إلى قصر الرئاسة، فإنها أسفرت عن إعادة انتخاب أحمدي نجاد. ولم يتردد هذا الأخير في تشبيه أوباما بجورج بوش وتبني لهجةِ مواجهةٍ مع العالم الخارجي. بيد أنه من الواضح أن التلاعب بالانتخابات جرى على نطاق كبير، ومن دون شك أن النظام كان يخشى من تأثير أوباما، فقرر المجازفة والإقدام على عملية تزوير ما كان يمكن أن تمر دون أن يلحظها أحد. وهو ما تسبب في مظاهرات احتجاجية كبيرة مازال من المبكر والسابق لأوانه معرفة ما إن كانت ستخمد، أو ستخبو قليلا قبل أن تستعير من جديد، أو ستتغلب على النظام. وفي هذه الأثناء، يمكن القول إن باراك أوباما أبان عن قدر كبير من الذكاء والحكمة في رده على الأحداث التي تشهدها إيران، حيث رفض اتباع "المحافظين الجدد" و"الجمهوريين" الذين انتقدوه، إلى جانب بعض وسائل الإعلام في الولايات المتحدة، لأنه، كما يتصورون، متساهل ومتراخ جداً مع نظام الملالي، ولم يدافع بما يكفي من القوة عن المعارضة، ويتبنى خطاباً مغرقاً في الاعتدال والمهادنة في الوقت الذي ينبغي فيه وضع النظام الإيراني بكامله في قفص الاتهام. والحال أن أوباما يعتبر أن كل ذلك أمر لا طائل منه ولا يجدي نفعاً وأنه، على العكس، إنما يخدم مصلحة النظام الذي سيستطيع في هذه الحالة إيجاد الذرائع للتنديد بالمعارضين واتهامهم بالعمالة لصالح الولايات المتحدة، الأمر الذي من شأنه أن يجردهم ويحرمهم من دعم وتعاطف جزء كبير من الشعب الإيراني. والواقع أننا هنا أمام النوعين الممكنين من المواقف التي يتم تبنيها خلال أزمة من الأزمات: هل يريد الزعيم إرضاء رأيه العام الداخلي الذي يسعد بالمواقف القوية، أم يريد التأثير فعلا على مسار الأشياء وتغيير وضعها؟ الواقع أن الهجوم على النظام الإيراني، وانتقاد نجاد والمرشد الأعلى للثورة بشدة، والتنديد بعمليات التزوير التي طالت نتائج الانتخابات، والانتصار للمرشح الذي وقع ضحية لعمليات التزوير - مير حسين موسوي - كلها أمور من شأنها أن تحقق لأوباما من دون شك شعبية كبيرة جداً في الولايات المتحدة، وذلك على اعتبار أن الشعب الأميركي يعشق هذا النوع من الخطابات ويتحمس له كثيراً؛ غير أنه لن يؤدي إلا إلى تعزيز موقف الأكثر تشدداً من بين الزعماء الإيرانيين ويجعلهم يمعنون في تعنتهم ويسهل له المهمة عبر منحهم فرصة وصف المعارضين بأنهم عملاء للخارج. والحقيقة أنه إذا كان الضعف قد أصاب النظام، فلأن أوباما أظهر رغبة في الانفتاح على العالم الإسلامي وعلى إيران منذ وصوله إلى البيت الأبيض. أما تبني لغة المواجهة من جديد وإلقاء الدروس والعظات باسم العالم الحر، فمن شأنه أن يسقط أوباما في أخطاء وعيوب جورج بوش ذاتها التي أوصلت العالم إلى ما هو عليه اليوم. وبالتالي، فإن أوباما كان على صواب حين عبّر عن قلقه بشأن مصير المتظاهرين، ولم يلتزم الصمت بشكل كامل إزاء الأعمال القمعية التي يقوم بها النظام الإيراني، وكل ذلك من دون أن يمنح هذا لنظام فرصة الظهور بمظهر الضحية التي تقاوم التدخلات الخارجية من خلال إثارة النعرات القومية ضد تهديد خارجي مزعوم. والحقيقة أنه من خلال تصرفه المعتدل والمتزن، يكون أوباما قد وجه إلى النظام الإيراني ضربة أكثر قوة في الواقع مقارنة مع ما كان سيحدث لو أنه انخرط في انتقادات وتصريحات نارية؛ حيث آثر التأثير على الأحداث على المدى البعيد على أن يسعى للفوز برضا وإعجاب الجمهور الأميركي على المدى القصير، لأن إثارة إعجاب الجمهور عبر الإدلاء بتصريحات نارية في ندوات تلفزيونية أو في افتتاحيات الصحف شيء، ودراسة موازين القوى وبحث سبل التأثير الفعلي على الأحداث شيء آخر، لاسيما وأن شعوب الشرق الأوسط لم تعد تتحمل تلقي الدروس والعظات من الخارج ، لكثرة ما خُدعت بالأمس القريب أو البعيد.