حين انتخب أوباما رئيساً في شهر نوفمبر من العام الماضي، كان الاقتصاد والنظام المالي الأميركي في أزمة عميقة، كما كانت في انتظاره كذلك مجموعة من تحديات السياسات الخارجية. فقد تفاقم النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، بينما لم تحرز الأزمتان النوويتان في كوريا الشمالية وإيران أي تقدم يذكر. ولم تنعم باكستان ولا أفغانستان ولا العراق بالقدر المعقول من الاستقرار المنشود فيها. ولما كان الشعب الأميركي يتوقع من رئيسه التصدي لكافة أزمات السياسة الخارجية، فقد كانت قائمة أعمال أوباما طويلة جداً في هذا المجال. ومن فرط طول القائمة، قال أحد الأميركيين الأفارقة مازحاً: انظروا إلى هذه المشكلات "الأفيال" التي لا يستطيع أي كان أن يصرعها نظراً لضخامة حجمها. لكن ومع ذلك وضعت أميركا مشكلاتها كلها على عاتق رجل أسود واحد وطالبته بتنظيم فوضاها كلها! ولدى انتخاب أوباما في شهر نوفمبر الماضي، كانت تحديات السياسة الخارجية الأميركية كبيرة جداً، إلا أنها مضت نحو الأسوأ بعد ذلك. فقد اجتاحت القوات الإسرائيلية قطاع غزة وخلفت وراءها دماراً هائلا ومعاناة لا تصدق للمدنيين الفلسطينيين. ثم انتهى الغزو دون أن يقدم حلا ودون أن ينجز الأهداف التي شن من أجلها. بل ساهم الغزو في إبعاد الشقة بين طرفي النزاع أكثر من ذي قبل. ثم تلاه انتخاب نتانياهو رئيساً لوزراء إسرائيل في مؤشر واضح على القعود بعملية السلام ودفعها بعيداً إلى الوراء. ذلك أن نتانياهو لم يؤيد يوماً حل الدولتين، ولم يبد اعترافاً بالاتفاقات الناشئة عن خطة "خريطة الطريق". وفي الوقت نفسه تعمقت الخلافات داخل الفصائل الفلسطينية واختلفت كلمتها ومواقفها فيما بينها. وفي ذلك عقبة إضافية كبيرة أمام عملية السلام. فعلى رغم ضرورة الحاجة إلى وحدة الصف الفلسطيني ووجود حكومة وطنية فلسطينية موحدة تدفع بمفاوضات السلام للأمام -مع ضرورة تمثيل حركة حماس فيها- فإن من المحتمل ألا تقبل واشنطن التعامل مع حكومة كهذه. وفي غضون ذلك كله واصل الإسرائيليون بناء وتوسيع المستوطنات على حساب الفلسطينيين، مضيفين بذلك عقبة أخرى أمام عملية السلام. وبينما تعهد أوباما بحث الخطى نحو السلام والقيام بالتوسط النزيه البناء بين الطرفين، إلا إن هذه التطورات جعلت مهمته أكثر صعوبة، وبدا فاقداً للقدرة على التحرك والفعل. وفي خطوة مفاجئة قررت كوريا الشمالية نقض الاتفاقات التي أبرمت معها بشأن الحد من أنشطتها النووية، وبدأت إجراء اختبارات مستفزة لصواريخها البالستية بعيدة المدى. أما في باكستان فاستطاع المتشددون تعزيز شوكتهم وتوسيع نشاطهم الإرهابي. وفي إيران كان قد اشتدت حمى التنافس الانتخابي الرئاسي واستغل نجاد ارتفاع نبرة الخطاب السياسي الغاضب مع خصمه ومنافسه موسوي في إشعال المزيد من النيران والانتقادات للولايات المتحدة الأميركية. وبذلك فقد تعقدت كثيراً مهمة أوباما ووعوده بإجراء تفاوض مباشر مع قادة طهران. يذكر أن جميع هذه التحديات والاختبارات الصعبة جاءت متزامنة لتكشف عن نهج أوباما وسياساته إزاءها مجتمعة. ففيما يتصل بالتصدي للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، سعى أوباما لتأكيد توازن سياساته ومواقفه إزاء طرفي النزاع، إضافة لإظهار رغبته في الدفع بعملية السلام وتعجيل خطاها. وقد فعل ذلك بتعيينه لجورج ميتشيل مبعوثاً خاصاً إلى الشرق الأوسط. ويتسم ميتشل عن غيره من المبعوثين الأميركيين السابقين بكونه مفاوضاً بارعاً يتمتع باحترام كلا طرفي النزاع لشخصيته. ثم أتبع أوباما تلك الخطوة بإعلان رفضه لأي توسع جديد في الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية، بما فيها توسيع المستوطنات القائمة حالياً، ما أثار عليه غضب المتشددين الإسرائيليين. كما هدف الخطاب الذي ألقاه أوباما في القاهرة إلى إظهار المزيد من التوازن في سياسات إدارته وعلاقاتها بالعالمين العربي والإسلامي، خلافاً لما كانت عليه سياسات إدارة بوش السابقة من انحياز صارخ ضد العرب والمسلمين. بل أرسل أوباما دبلوماسياً أميركياً رفيع المستوى إلى دمشق كي يدرس إمكانية كسر جمود علاقات واشنطن بدمشق. وبعد تلك الزيارة بوقت قصير أعلن أوباما عزمه على إرسال سفير لبلاده إلى دمشق، التي غاب عنها أي تمثيل دبلوماسي أميركي رفيع المستوى لعدة سنوات. وخلافاً لسلفه جورج بوش الذي طالما اقتنع بأن في خفض التمثيل الدبلوماسي مع سوريا ما يخدم المصالح القومية الأميركية، يعتقد أوباما من حيث المبدأ بضرورة رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي والارتقاء بعلاقات واشنطن حتى مع خصومها وأعدائها. هذا وقد رحب مسؤولو إدارة أوباما بتحسين العلاقات بين واشنطن ودمشق، اعتقاداً منهم بأن في هذه الخطوة ما قد يدفع بجهود عملية السلام الإسرائيلي العربي، خاصة وأن إسرائيل كانت قد بدأت اتصالات ومفاوضات غير مباشرة مع دمشق، على رغم اعتراضات إدارة بوش حينها. وفي جنوبي آسيا، رفع أوباما عدد القوات الأميركية المقاتلة في أفغانستان، إلى جانب توسيع المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها بلاده للحليف الباكستاني. كما اتخذ أوباما استراتيجية جديدة لمواجهة التمرد الطالباني في كلتا الدولتين، مع تفادي استخدامه لمصطلح الحرب على الإرهاب الذي تبنته إدارة بوش السابقة. أما في شرق آسيا، فأمر أوباما سلاح البحرية الأميركية بمراقبة سفينة كورية شمالية محملة بالأسلحة مؤخراً. وتعد تلك رسالة حازمة منه، دون أن تصل إلى مرحلة استفزاز بيونج يانج. وما أن بدأت هذه الأخيرة الاستعداد لاختبار صواريخ بالستية قادرة على الوصول إلى جزيرة هاواي، حتى وجه إليها أوباما إنذاراً قوياً وأعلن عن استعداد بلاده للتصدي لذلك الخطر الأمني عن طريق إجراءات ونظم دفاعية جوية. وكان أوباما على علم بمراقبة طهران للكيفية التي تصدى بها للتهديد النووي الكوري الشمالي. وعليه فقد كان لزاماً عليه توجيه رسالة غير مباشرة إليها من خلال تعامله مع بيونج يانج، ولكن دون أن تصل استجابته إلى حد استفزاز بيونج يانج عسكرياً. وقبيل الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة، راقب مسؤولو واشنطن عن كثب الحوار الانتخابي الذي سبقها، بينما تواصل الحوار فيما بينهم حول التوقيت الملائم لبدء التفاوض المباشر مع قادتها: هل هو قبل أم بعد الانتخابات؟ وكان أوباما قد وجه نداء عاماً للقادة الإيرانيين، دون أن يتعجل الوصول إلى أي نتائج، خاصة وأن الرئيس "نجاد" لا يكف عن تحميس نيران خطابه الموجه إلى أميركا. وحين أعلن عن فوز "نجاد" بولاية رئاسية ثانية في الانتخابات الأخيرة، وثارت شكوك واحتجاجات الإيرانيين عليها، التزم أوباما جانب الحياد ورفض الانحياز إلى صف المعارضة، مخالفاً بذلك رأي منتقديه بقيادة منافسه الرئاسي سابقاً جون ماكين، القائل بضرورة انحياز الرئيس الأميركي إلى جانب المعارضين الإيرانيين. وفي حين أعلن أوباما عن إدانته لوحشية تصدي النظام الإيراني للمتظاهرين، يلاحظ أنه تعمد إعطاء طهران أي حجة تتهم بها واشنطن بالتحريض على حركة الاحتجاجات والمظاهرات التي أعقبت الإعلان عن نتائج الانتخابات. واتخذ أوباما موقفاً مماثلا إزاء التطورات السياسية التي شهدتها هندوراس مؤخراً إثر عزل البرلمان للرئيس المنتخب مانويل زلايا. يذكر أن صديقه شافيز كان قد سارع باتهام واشنطن بما حدث. ولكن سرعان ما أبطل أوباما ذلك الاتهام بإعلان مطالبته لقادة دول أميركا اللاتينية بإعادة الرئيس المخلوع زلايا إلى منصبه. أوباما يتعمد تجاهل منتقديه وخصومه له بالضعف، مع إبداء قدر واضح من الهدوء ورباطة الجأش والصبر في مواجهة التحديات وتأملها. وبتلك الاستجابة الهادئة المتأملة للمصاعب، يبدو أوباما أكثر فاعلية من سلفه بوش الأكثر ميلا للتعجل وإطلاق التصريحات المتعجلة التبسيطية الساذجة. صحيح أن تحديات السياسة الخارجية التي تواجهها إدارة أوباما تتفاقم يوماً إثر الآخر، إضافة إلى تحديات السياسة الداخلية التي لا تقل عنها عسراً. غير أن أعداداً متعاظمة من المواطنين الأميركيين تبدي ارتياحها وسعادتها بانتخاب رئيس قادر على التزام الهدوء والتأمل ورباطة الجأش في أحلك الظروف التي يواجهها البيت الأبيض والمجتمع الأميركي.