يا للهول: ففي لجة هذه الأزمة السياسية المتفاقمة في إيران، التي باتت على شفا حفرة من اندلاع اضطرابات أهلية شاملة، بسبب الشكوك المثارة حول نزاهة الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرت في شهر يونيو المنصرم، ها هم أعضاء الحزب "الجمهوري" يشنون الهجوم على خصمهم "الديمقراطي" الرئيس أوباما، متهمين إياه بالضعف والسلبية لعدم إصداره أي تصريحات تدين القمع الوحشي الذي مارسته مليشيات وأجهزة الأمن الإيرانية بحق المحتجين والمتظاهرين المدنيين. أليس أحرى بأميركا -التي كثيراً ما تدعي لنفسها قيادة العالم الحر- أن تكون في مقدمة الدول التي تعلن إدانتها لما يجري في إيران من سجن واعتقال للمعارضين السياسيين، ومن قمع وقهر للمظاهرات والاحتجاجات الشعبية، ومن تضييق على الصحفيين الأجانب وطردهم من طهران؟ لمَ كل هذا الحذر والصمت المطبق من أميركا قلعة الحرية...يا ترى؟ فحتى التصريحات التي أدلى بها أوباما في مؤتمره الصحفي الذي عقده بتاريخ 23 يونيو الماضي، وهي التصريحات التي تحدث فيها بنبرة هي الأقوى حتى الآن في إدانتها لما يحدث في طهران، لا تتجاوز كونها نموذجاً آخر لحذره الرئاسي، عند تأملها وقراءتها بإمعان. والخوف كل الخوف أن تثار بحق أوباما قريباً تهمة تزلف الأعداء ومداهنتهم. ولكن قفوا أيها "الجمهوريون"، تمهلوا قليلا. فهناك سببان رئيسيان يعطيان معنى مقبولا لهذا السلوك الحذر من قبل البيت الأبيض وتريثه في عدم الانزلاق إلى إطلاق عبارات الشجب والتنديد بالنظام الإيراني. أولهما عملي براجماتي بحت. فما الذي في وسع أميركا فعله من أجل تحسين الوضع السياسي في طهران، بدلا من تعقيده وصب الزيت على ناره بالتحديد؟ لا شيء تقريباً. هذه هي الحقيقة التي أشار إليها السيناتور كريستوفر دود -من ولاية كونيكتيكت- بقوله: إن أسوأ ما يمكن أن تفعله أميركا إزاء هذه الأزمة، هو إعطاء ذريعة للنظام الإيراني للقول إن المعارضة والمظاهرات التي يواجهها، هي بفعل تدبير أميركي لا أكثر، وإن قادتها عملاء أميركيون. وعلى الأميركيين فهم مغزى حذر البيت الأبيض من نشوء اعتقاد كهذا في ذهن قيادة طهران، في حال إلمامهم بأي قدر من المعرفة التاريخية. فعندما اندلعت الحرب الأهلية الأميركية، صرح القادة الأوروبيون وقتئذ بما يشير إلى دعمهم للشمال، أو التدخل في الحرب نيابة عن الجنوب. وكان كل ذلك محض أوهام وترهات لا أكثر. ففي نهاية الأمر عقد الأميركيون العزم على تسوية خلافاتهم بأنفسهم. ومثلنا تماماً سوف يتصدى الإيرانيون أنفسهم لتسوية خلافاتهم الداخلية، دون تدخل أجنبي من أي جهة أو دولة كانت، مهما استغرق ذلك من وقت قد يمتد لعام أو عامين أو حتى لعقد كامل من الزمان. وعليه فإنه لا معنى لتدخل "العم سام" في الشأن الداخلي الإيراني بأي درجة من الدرجات، لأنه لن يكون مجدياً ببساطة. وهذا ينقلنا إلى السبب الثاني أو القضية الأهم. فعلى رغم المصاعب الكبيرة التي تواجهها الولايات المتحدة الأميركية داخلياً وخارجياً، لا يزال في وسعها التدخل في شؤون الجزء الغالب من دول العالم. بل واصلت هذا التدخل منذ عام 1917 بتفوقها العسكري على أوروبا، التي كانت تعتبر مركزاً للسياسات العالمية حينئذ. ففي ذلك العام تدخلت أميركا بقوة في مسار الحرب العالمية الأولى، لتتدخل بقوة وعزم أكبر في الحرب العالمية الثانية. ولكن حدث تحول كبير ومثير للاهتمام في استراتيجية واشنطن بحلول عام 1945. فبدلا من أن تكون آخر قوة دولية كبرى تنضم إلى الحرب -ما يتيح لها فرصة اقتحام الحرب بقوة وطاقة جديدة- فضلت أميركا اتخاذ الخيار الثاني: ألا وهو نشر قواتها المقاتلة في صفوف النار الأمامية، على امتداد التوسعات الجديدة على تخوم الخطر: برلين، منطقة البحر الأبيض المتوسط، كوريا ودول جنوب شرق آسيا. ومع انسحاب القوى الإمبراطورية القديمة، ممثلة في بريطانيا العظمى وفرنسا من تلك المناطق، تقدمت القوات الأميركية وواصلت زحفها التوسعي. وقد أتت بعض هذه التوسعات أكلها فيما يبدو مثل مبدأ ترومان، وإنشاء حلف الناتو، والتدخل الأميركي في شبه الجزيرة الكورية. أما بعضها فكان غبياً وطائشاً: حرب فيتنام، إيران، ودول أميركا الوسطى. ولكن بين هذه وتلك، ترتبت عواقب أخرى جانبية أدركتها بقية دول العالم الأخرى تماماً كما أدركها الأميركيون أنفسهم. فعند نشوء أزمة دولية ما، عادة ما يكون الحل والعقد بيد القائمين على واشنطن دي سي. فهناك وليس في أي مكان آخر من العالم، تصنع القرارات وتتبلور السياسات وتحسم الأمور. وعليه فليس ثمة بقعة في العالم تخلو من وجود مصالح استراتيجية حيوية لأميركا فيها. ونتج عن هذا الاعتقاد بمرور الوقت، عدم القدرة على مجرد تصور أن يراقب الرئيس الأميركي ما يجري حوله من أزمة في دولة ما من الدول، دون أن يدلي برأيه فيها، أو يستجيب لها باقتراح سياسات حاسمة إزاءها. وعليه فقد ساد الاعتقاد بين أصدقاء أميركا وأعدائها على حد سواء، بأن على واشنطن دائماً أن تتصدى قبل غيرها لمواجهة أي أزمة تنشأ في أي دولة من دول العالم بالتصريح والفعل معاً. ومن رأيي الشخصي أن الاعتقاد بأنه يجب على الولايات المتحدة أن تكون في مقدمة ركب التدخل العالمي في أقاصي الأرض ودانيها تحت كل الأوقات والظروف، هو اعتقاد واهم ولا يعدو عن كونه وصفة جاهزة للكوارث السياسية العسكرية. ذلك أنه يعتمد دائماً على فرضية أسوأ السيناريوهات المحتملة مثل: أن تشن إيران هجوماً نووياً على إسرائيل، وأن تهاجم بيونج يانج جارتها اليابان نووياً هي الأخرى، أو أن يتمكن مقاتلو حركة "طالبان" من نسف "استاد اليانكي"..إلى آخره. وبالطبع فإنه تصعب جداً إدارة حياة المجتمع المدني على فرضية أسوأ الكوارث المحتملة. فنحن لسنا نعيش اليوم في معمعة الحرب البريطانية، وكأن البوارج النازية قد أصبحت على مرمى حجر منا في الجانب الآخر من القناة الإنجليزية! والحق أننا نعيش في عالم لا يخلو من عدد ضئيل من الأنظمة المهزوزة غير المستقرة. وسوف تتحلى الولايات المتحدة بحكمة لجم بارودها الناري، مقابل رفع استجابتها الدبلوماسية لما ينشأ في تلك الدول من أزمات وقلاقل. وليست هناك أدنى مؤشرات حتى الآن -رغم ما يكيله المنتقدون من طعن واتهامات- على عجز إدارة أوباما عن فهم هذه الحقيقة. ثم إن هناك سوء فهم وتقدير من قبل نقاد الإدارة لوجود قوى دولية أخرى فاعلة في المسرح العالمي غير الولايات المتحدة الأميركية. والمقصود بهذه، وجود أطراف ثالثة هي الأكثر تضرراً من أميركا من سلوكيات الدول المارقة. فعلى سبيل المثال، ينبغي للاتحاد الأوروبي -وليس واشنطن- أن تتصدى لأي محاولات خرقاء من جانب روسيا فلاديمير بوتين لابتزاز الأوروبيين بإمدادات النفط الروسي. وفيما لو تردت الأوضاع الأمنية والسياسية في باكستان، أليست الجارة الهند وغيرها مثل روسيا والصين والمملكة العربية السعودية هي الأكثر تضرراً، التي ينبغي عليها أن تبادر لإعادة الاستقرار للجارة باكستان؟ وفي حال حدوث انفجار سياسي داخلي في كوريا الشمالية، أليست الصين هي الدولة الأقرب التي يعنيها الأمر أكثر من غيرها من الدول، إذا ما استثنينا جارتها كوريا الجنوبية؟ لماذا الاعتقاد إذاً بأن على أميركا أن تكون أول من يطلق التصريحات ويستجيب للأزمات، ويجب عليه التصدي العملي لها؟ خلال العقدين السابع والثامن من القرن التاسع عشر، هزت الحروب والنزاعات الداخلية منطقة البلقان بأسرها، ما دفع روسيا إلى التهديد بالتدخل العسكري، بينما توعدت النمسا بالتدخل المضاد. حينها كان المستشار الألماني بسمارك من الحكمة بمكان. فقد التزم سياسة الصمت التام إزاء ما يجري حوله. غير أن ذلك الاحتراز البسماركي لم يعد متاحاً لأوباما اليوم، مع ما نرى من اندفاع بعض برامج الحوارات التلفزيونية، وتهور بعض أعضاء الكونجرس وحثهم للبيت الأبيض على التصريح والعمل بشأن الأزمة الإيرانية. والواقع أنه ليس لأوباما ادعاء الحزم السياسي لأنه ليس لأميركا كلها أن تقرر ما يريده الإيرانيون لأنفسهم. ولعل الأنسب لأوباما أن يستدعي حكمة سلفه الرئيس الأسبق تيودور روزفلت: "كن ليّن القول واحمل عصاك الغليظة". --------- ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيز"