ورد في الأخبار، وما آفة الأخبار إلا رواتها كما تقول العرب، التالي: "على عكس التوقعات التي تشير إلى أن العالم سيواجه أزمة غذائية بسبب قلة المساحات الصالحة للزراعة، فقد فند تقريران دوليان هذه المزاعم، بالتأكيد على أن أفريقيا وحدها قادرة على توفير الغذاء الضروري للعالم. وأشار التقرير الذي أعدته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، ومنظمة الأغذية والتعاون التابعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن هناك حوالي 1.6 مليار فدان بالإمكان إضافتها إلى الـ1.4 مليار فدان الحالية لزراعة المحاصيل في العالم، مضيفاً، أن أكثر من نصف الأراضي الزراعية الإضافية موجود في أفريقيا وأميركا اللاتينية. أما التقرير الثاني الذي أعدته الفاو والبنك الدولي، فقد أشار إلى أن هناك حوالي 400 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة في 25 دولة أفريقية..". (انتهى النقل). حين قرأت هذا الخبر العجيب، تيقنت أن "الجماعة" قاموا بكتابته، والله أعلم، بعد حفلة "عرمرمية"، لم تخلُ من شرب "حليب السباع"، لأن مثل هذا الكلام لا يكتبه عاقل. وسأفترض من باب قلة العقل ومسايرة لهذا اللغو، أن الخبر صحيح، على رغم كل الأفلام الوثائقية المتلفزة وصور الإنترنت التي تبين مدى الجوع الحاصل في أفريقيا، فكيف سيتم تحقيق ذلك في بلدان تعج بالأمراض الوبائية المخيفة، والجفاف وضعف الإرادة البشرية للعمل، حيث تعمل لجان الإغاثة الدولية ليل نهار، وهي بالكاد قادرة على سد رمق جزء بسيط من الناس الذين يموت أكثرهم جوعاً. سنقول إن الجفاف والمرض قدر إلهي. فماذا عن الكسل والصراعات القبلية والعرقية المهلكة؟ ماذا عن الفساد الإداري والسياسي الضارب في أعماق الأنظمة السياسية الأفريقية؟ رأيت قبل سنوات مقابلة مع أحد المغنين الغربيين من الذين يقيمون الحفلات من أجل إطعام الفقراء، قال فيها لمن يقابله، إن كل ثمانين سنتاً من كل دولار يتم تحصيله في هذه الحفلة الفنية يذهب لرشاوى المسؤولين الأفارقة، الذين يتحكمون في طريق الساعين للعمل الخيري. بل وقد وصل الأمر أننا نضطر إلى استئجار من يقوم بحراسة المولدات الكهربائية والآبار التي نقوم بحفرها، ليلا، لكي نأتي بعد عام أو أقل قليلا لنجد أن هذه القبيلة أو تلك أهملت العناية بهذه الآبار! وقد سمعت شكاوى مماثلة من المتطوعين في مجال العمل الإسلامي، من الأفارقة وكسلهم وتفضيل انتظار المساعدات على العمل أو حتى المشاركة في مثل هذه الجهود اللازمة لإنقاذهم من غائلة الجوع والعطش. وفي ضوء هذه الحقائق، ما الفائدة من وجود أراضٍ زراعية يأكلها الجفاف حيث يلاحظ أن المسؤولين الأفارقة لا يهتمون كثيراً بمساعدة شعوبهم، من خلال غض الطرف عن السوق السوداء التي يتم فيها بيع المساعدات الإنسانية إذا لم تكن هناك مراقبة فعالة من قبل المنظمة المسؤولة عن المساعدات الإنسانية. ولذلك دعا البعض إلى تجاوز أسلوب المساعدات المجانية للشعوب الأفريقية واستبدالها بمشاريع التنمية اللازمة لتطوير حياة الإنسان الأفريقي من خلال العمل، لكن في ظل استمرار سياسة الإحسان العالمية، سيظل الأفارقة على ما هم عليه من الكسل والفقر. ولذلك لا يفيد في قليل أو كثير مثل هذه التقارير الدولية التي حتى وإن قدمت حقائق عن المساحات الصالحة للزراعة، سوى العلم بها. وما السودان سوى مثال على مثل هذا الوضع المأساوي، حيث تصدع الرأس من مقولة، "السودان سلة الخبز للعالم العربي"، في حين أن الحرب بين الشمال والجنوب أكلت الأخضر واليابس مدة تزيد على الثلاثين عاماً، ولولا تدخل الأميركيين لما حل السلام بأرض السودان ... هل نتحدث عن مأساة دارفور؟