تناولنا في المقال السابق، بالتحليل والتعقيب، ترتيب القضايا التي قال عنها خطاب/ أوباما إنها مصدر التوتر بين الولايات المتحدة و"الإسلام"، وقد أوضحنا كيف أنه ترتيب لاتاريخي مقصود، الهدف منه صرف النظر عن تاريخ التوتر بين الغرب (وضمنه الولايات المتحدة الأميركية) وبين العرب والمسلمين، التاريخ الذي له بداية معروفة مشهورة لا لبْس فيها وهي إعلان الحكومة البريطانية من خلال وعد بلفور سنة 1917 عن التزامها -لدوافع وغايات سياسية واستراتيجية- بتمكين الحركة الصهيونية من "وطن قومي" لليهود في فلسطين التي كانت تحكمها حكماً استعمارياً باسم "الانتداب". فمنذ ذلك الوقت والوفاء بهذا الالتزام متواصل بدون انقطاع إلى أيامنا هذه. ولا يُخفي خطاب/ أوباما تأكيده الصريح الواضح على هذا الالتزام والوفاء له. فقد استهل كلامه عن العنصر الثاني مما اعتبره عناصر التوتر بين الولايات المتحدة و"الإسلام"، وهو الصراع العربي الإسرائيلي، بالقول: "إن "الأواصر بين أميركا وإسرائيل متينة، ولا يمكن قطع هذه الأواصر أبداً"، مبرراً ذلك بدعوى "أنها أواصر تستند إلى علاقات ثقافية وتاريخية، وإلى الاعتراف بأن رغبة اليهود في وجود وطن خاص لهم هي رغبة متأصلة في تاريخ مأساوي -تاريخ اليهود- لا يمكن لأحد نفيه". أعتقد أن أحداً غير أوباما هو الذي أقحم هذه الدعوى المتهافتة في الخطاب المنسوب إليه. فأية علاقات ثقافية تاريخية تجمع الولايات المتحدة بتاريخ اليهود كما تحكيه التوراة؟ وكيف يجوز الجمع بين علاقات ثقافية تاريخية مزعومة بين الولايات المتحدة التي تأسست في القرن الثامن عشر (1776) وبين "التاريخ المأساوي" لليهود الذي يرجع إلى أزيد من 1400 سنة قبل ميلاد المسيح؟ ثم كيف يجوز الجمع بين هذا وذاك وبين رغبة اليهود في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، بعد أن كانت رغبتهم متجهة إلى أوغندا التي كان ينطبق عليها المبدأ الذي بررت به تلك الرغبة في وعد بلفور وهو: "أرض بلا شعب لشعب بلا وطن"؟ وفي مقابل هذه الدعوى المتهافتة، تاريخياً وأخلاقياً، يطرح "الخطاب" القضية الفلسطينية بالعبارات التالية: "ومن ناحية أخرى فلا يمكن نفي أن الشعب الفلسطيني، مسلمين ومسيحيين، قد عانوا أيضاً في سعيهم إلى إقامة وطن خاص لهم"، وكأن الشعب الفلسطيني، مسلمين ومسيحيين، لم تكن لهم فلسطين وطناً منذ أزيد من أربعة عشر قرناً؟ هنا يُلغَى التاريخ الحي المتصل بالحاضر ويُلغَي معه حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، الحق الذي اعترفت لهم به الأمم المتحدة واستمر الاعتراف به طوال الستين سنة الماضية على قيام إسرائيل! وليس هذا وحسب، بل إن أوباما/ الخطاب يطلب من الفلسطينيين أن يتخلوا عن العنف، بدعوى أن المقاومة عن طريق العنف والقتل أسلوب خاطئ ولا يؤدي إلى النجاح. والأدهى من ذلك أنه يقارن وضع الفلسطينيين مع وضع السود بأميركا، وهو يعلم أن الفلسطينيين احتلت أراضيهم بالقوة: أما السود في أميركا فقد جلبهم البيض من أفريقيا واستعملوهم عبيداً لهم: وهذا الواقع المرير الذي عانى منه السود لم يصبح "متنافياً مع القيم الأميركية" إلا بعد الحرب الأهلية الدامية التي انتهت بتحرير العبيد من جهة، وأيضاً بعد أن تم الاستئصال شبه الكامل لأصحاب الأرض الأصليين: الهنود الحمر. وواضح إذن أن الغرض من هذه المقارنات المتهافتة هو "إثبات شرعية الوجود الصهيوني في فلسطين" ضداً على المسلمين والمسيحيين واليهود الفلسطينيين، وبالتالي صرف النظر عن "عودة اللاجئين الفلسطينيين" بـ "إثبات حق تاريخي موهوم لليهود في جميع أنحاء العالم". ليس هذا فحسب فـ "خطاب أوباما" يعمد إلى نفس الآلية بخصوص القدس: إنه يدعو إلى أن تكون هذه المدينة المقدسة وطناً لليهود والمسيحيين والمسلمين، "وطناً دينياً" وليس سياسياً، لأن خطاب أوباما كله لا يطرح مسألة السيادة عليها: هل هي لدولة الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، أم لدولة الصهيونيين من اليهود؟ وأخيراً، تعرض الخطاب للمبادرة العربية بصيغة كان (فعل ماض ناقص): "فقال: "يجب على الدول العربية أن تعترف بأن مبادرة السلام العربية كانت بداية مهمة"، وعلى العرب أن يتحركوا ليبلُغوا بها النهاية المطلوبة وهي "مساعدة الشعب الفلسطيني على الاعتراف بشرعية إسرائيل...". وهكذا فالمبادرة العربية التي تعد بتطبيع العرب لعلاقاتهم مع إسرائيل مقابل انسحابها إلى حدود ما قبل 5 يونيو 1967، واعترافها بحق العودة للاجئين وحق دولة فلسطين في جعل عاصمتها في القدس الشرقية، أقول: هذه المبادرة قد اختزلت في خطاب أوباما إلى دعوة العرب إلى نسيان ما طالبوا به في مبادرتهم والاتجاه إلى إقناع الشعب الفلسطيني بالاعتراف بشرعية إسرائيل! اعتراف الفلسطينيين بشرعية إسرائيل أولا، أما اعتراف إسرائيل بدولة "ثانية" للفلسطينيين أصحاب الحق التاريخي في فلسطين كلها، فـ "سيأتي لاحقاً"! 3- أما المصدر الثالث للتوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة و"الإسلام" في نظر خطاب أوباما فهو طموح إيران إلى امتلاك الطاقة النووية، خوفاً من قيامها بصنع أسلحة نووية. وهنا يؤكد الخطاب مجدداً على "التزام أميركا بالسعي من أجل عدم امتلاك أي من الدول للأسلحة النووية"؟ ولكن ما العمل مع التي تملكها؟ إيران تحيط بها من جميع الجهات دول نووية: باكستان والهند والصين وكوريا الشمالية وروسيا، ولا أحد يعتقد أنها يمكن أن تهدد أياً من هذه الدول. الدولة الوحيدة التي هددها "كلام غير مسؤول" صدر من مسؤول إيراني هي إسرائيل، التي لا تُخفي رغبتها في توجيه ضربة إلى إيران تحت الحماية الأميركية. لكن ذلك كله جرى في جو من المزايدات "الخطابية الإنشائية"، ولا أعتقد أن أياً من إيران أو إسرائيل يمكن أن تستعمل الأسلحة النووية، تماماً مثلما لم يستعملها الغرب ضد الاتحاد السوفييتي ولا هذا الأخير مع الغرب، كما لم تستعملها الهند مع باكستان ولا باكستان ضد الهند... الخ. إن المشكلة هي أن الاستعمار ومخلفاته والدول التي تتحدث عن "مصالح قومية لها خارج دولها القومية" قد جعلت من عصرنا عصر توازن الرعب. ذلك كان شأن السلاح النووي ولا يزال منذ أن هاجمت به الولايات المتحدة الأميركية اليابان خلال الحرب العالمية الثانية. لقد انتصرت الإدارة الأميركية بفضل تلك الضربة، ولكنها شعرت بعمق بأن الحرب النووية هي خطر على المنخرطين فيها كما على غير المنخرطين: خطر لا يبقي ولا يذر. فلكي يتقي طرف من الأطراف هذا الخطر، يخيل إليه أن الواقي الوحيد هو امتلاك السلاح النووي. ولكن متى أثبتت مقولة "وداويني بالتي كانت هي الداء" صدقها، بلهٌ مشروعيتها؟ إن خطاب أوباما يوافق على هذا، ولكن لا يقف عنده. ذلك أنه من جهة يسكت على امتلاك إسرائيل لترسانة نووية، ومن جهة أخرى يعطي للإدارة الأميركية الحق في التمييز بين من يجوز أن يمتلك السلاح النووي ومن لا يجوز له ذلك. لنستمع إليه يقول: "إنني مدرك أن البعض يعترض على حيازة بعض الدول لأسلحة لا يوجد مثلها لدى دول أخرى ولا ينبغي على أية دولة أن تختار الدول التي تملك أسلحة نووية وهذا هو سبب قيامي بالتأكيد مجدداً وبشدة على التزام أميركا بالسعي من أجل عدم امتلاك أي من الدول للأسلحة النووية، وينبغي على أية دولة بما في ذلك إيران أن يكون لها حق الوصول إلى الطاقة النووية السلمية إذا امتثلت لمسؤولياتها بموجب معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وهذا الالتزام هو التزام جوهري في المعاهدة ويجب الحفاظ عليه من أجل جميع الملتزمين به".