بكل معايير الدمقرطة المتعارف عليها دولياً لا تزال البلدان العربية تحتل باقتدار ذيل أي ترتيب عالمي على رغم كل التحولات السياسية والعولمية التي شهدها هذا الكوكب. كما أُسيل حبر عربي، وغير عربي، كثير لمحاولة فهم الاستعصاء الديمقراطي الذي حلت محنته على المنطقة. ولكن ظلت محاولة الفهم إشكالية، وبقي الاستعصاء ظافراً وتاركاً لأنماط الحكم السلطوي حرية التباهي بالاستبداد في عالم يتسابق نحو التباهي بالحرية. ولم يترك السجال الفكري والنظري في الدمقرطة العربية فكرة أو تفسيراً إلاّ قلّبه من كل الجهات. وكل مقاربة تقدم الفكرة ونقيضها، وكلتاهما فيها هذا القدر أو ذاك من التحليل الموضوعي. قيل مثلا إن الصراع مع إسرائيل أعاق الدمقرطة العربية لأنه ما كان ينبغي أن يعلو صوت على "صوت المعركة". وخبت المعركة وانهزمنا فيها، ولم يخبُ الاستبداد. وقيل إن الفقر يعيق الديمقراطية ولابد من بناء طبقة وسطى قوية وعريضة تكون حاملة للتحول الديمقراطي. وقامت طبقات وسطى في بلدان عربية، واغتنت بلدان أخرى، ثم عادت وتهشمت تلك الحوامل، وبقي الاستبداد مقيماً. وقيل كذلك إن التنمية تتقدم على الديمقراطية التي عليها أن تنتظر، ربما طويلا، كي تُنجز مستويات مقبولة من التنمية يتم بعدها استقبال الديمقراطية. ولم يحدث لا هذا ولا ذاك. وقيل إن الثقافة العربية و"العقل العربي -العِرفاني" والتقاليد المتوارثة والتفسيرات الدينية تخلق معاً بيئات غير مستقبلة للديمقراطية. وهذا كله يحمل الفكرة ونقيضها، نظرياً وتاريخياً. وقيل أيضاً إن معظم السجال العربي حول الديمقراطية كان خجولا ولم يتسم بالشجاعة المطلوبة ليضع أصبعه على جوهر الإشكالية: مرجعية التشريع وسقفه. ففي الديمقراطية تؤول تلك المرجعية إلى الشعب عبر البرلمان، وهو سقفها ولا سقف بعده. وفي النظم الثقافية العربية والإسلامية يحتل الدين ذلك الموقع. ومن دون البدء نظرياً وفكرياً بالتوافق على فكرة إحداث التنازل التاريخي للتأويل الديني عن موقف المرجعية العامة المطلقة، وانحساره إلى الحياة الفردية والروحية فحسب، فإن كل سجالات الدمقرطة هي حرث في البحر. ولكن قيام ذلك التوافق حالياً شبه مستحيل في ضوء سيطرة الإسلاموية على الفضاء العربي شرقاً وغرباً. وإذن، سجالياً وفكرياً، نحن عملياً أمام مأزق وحائط مسدود. بيد أن التغيير الاجتماعي والسياسي، لحسن الحظ أو لسوئه أحياناً، لا يتم وفق تنظيرات مسبقة، وهو ليس عملية سجالية وتنظيرية بين أفكار، بقدر ما هو صيرورات وتوترات ومساومات وصراعات وخلاصات على أرض الواقع. وهكذا فسواء حسم السجال التنظيري، أم لم يُحسم، فإن حركة الواقع تظل تندفع في اتجاهات مختلفة، وأحياناً مضادة ومفاجئة لكل ما قد تم توقعه، أو نُظّر له. ومن هذه الزاوية، زاوية تحولات وصيرورات الواقع وليس المطارحات السجالية، يمكن مراقبة بعض جوانب الدمقرطة الوئيدة والبطيئة في العالم العربي -وتحديداً في اللحظة الراهنة موريتانيا وسبقتها بقليل الكويت. وتختلف الدمقرطة في الحالتين الكويتية والموريتانية عن بقية الحالات العربية (الأردن، المغرب، الجزائر، مصر...)، لناحية عمقها النسبي ومناوشاتها لأشكال النظام التقليدي القائم، وطرحها أسئلة تتخطى الحدود الحمراء. أو بمعنى آخر، أن تحولات الدمقرطة في هاتين الحالتين تحدث حول النظام، أي تريد تغييره جزئياً، فليست هي تحت النظام تماماً، ولا هي فوق النظام تماماً وخارجة عنه تريد قلبه. وفي أغلب الحالات العربية كانت تحولات الدمقرطة جزئية ومحتواة من قبل النظام القائم، أو هي "دمقرطة مقيدة" بحسب وصف الكاتب "علي محافظة"، ومحسوبة بدقة حتى لا تزعزع أسس الوضع الراهن كلياً، أو تغير من وجهته العامة. وفي الحالات التي "أفلتت" فيها عملية دمقرطة بشكل غير محسوب وأصبحت فوق النظام كلياً وخارجياً، كما في الجزائر في أوائل التسعينيات، أو في الحالة الفلسطينية في 2006، مهددة بتغيير شامل ومفاجئ في النظام، ردت البنى السياسية القائمة بعنف لأن آليات استيعاب تحول النظام (وليس التحول في النظام) غير موجودة أو راسخة. وجزء من المشكلة المرافقة للدمقرطة في العالم العربي يكمن في عمق التغيير الذي تُطالب به القوى المعارضة على مستوى الشكل السياسي القائم: هل هو تغيير في المحتوى، في البرامج، في الحكومات، في الوجهة السياسية والعلاقات، أم في جوهر النظام القائم وجذوره. فالقوى الإسلامية تطرح الطرح الأخير، التغيير الجذري، بمعنى تغيير فوق النظام وخارجه، وليس داخله، أو حوله، بما يجعل أطروحاتها مخيفة ومرفوضة من قبل كثيرين. فالتغيير الجذري المطروح قد لا يحتوي على دمقرطة مستقبلية، حتى إن كانت وئيدة وبطؤها مستفز. ولا يبشر بنموذج مغرٍ بل منفر من "طالبان" إلى إيران. وعلى ذلك يمكن التأمل في قراءة من نوع مختلف في تجربتي الكويت وموريتانيا لناحية أنهما تجربتا دمقرطة داخل النظام، لكن بكيفية تتجه نحو تغيير نصفي في النظام، ليس جذرياً أو ثورياً، لكنه تغيير كبير. ففي الكويت طرحت الدمقرطة مجموعة من الأسئلة وما تزال تطرحها تتعلق بموقع العائلة الحاكمة، وإمكانية تعديل الشكل الدستوري إلى نظام "ملكي دستوري" على الأنماط الأوروبية الراهنة. وأسئلة تتعلق بالمواطنة و"البدون" والطائفية، ودور المرأة. وهذه الأسئلة تعدل من مرونة الأَسقُف السابقة والتقليدية وتزحزحها إلى الأعلى. كما أن نضالاتها من أجل حرية أكثر تؤدي دوماً إلى نقاشات أكثر ثراء وعمقاً، لا تتمتع بها دول الجوار. وفي موريتانيا ومنذ سقوط نظام معاوية ولد الطايع تحاول الجمهورية الموريتانية (الثالثة!) الانفكاك من قبضة العسكر -أي أن تخرج خارج النظام. لكن سلسلة الانقلابات المؤسفة في السنوات الأخيرة أشارت إلى الصعوبة البالغة لقيام أي نظام قوي وفعال بعيد كلياً عن مراقبة، حتى لا نقول تدخل، المؤسسة العسكرية. وبسبب ترهل بنى المؤسسة الحكومية المدنية نتيجة سنوات طويلة من سوء إدارة نظام ولد الطايع، وبروز الجيش كأهم بنية منظمة ومنضبطة في البلاد، لم تستطع الحكومات المنتخبة أن تقلع إلى الأمام مستندة إلى أساسات بنيوية وتنظيمية إدارية راسخة. ونتيجة للفشل المتكرر كان الجيش يتدخل عن طريق الانقلابات المتتالية. وبعيداً عن التفاصيل هنا وهناك يبقى أن المميز الأكبر للتجربتين الكويتية والموريتانية أنهما تتجهان نحو الطريق الصحيح: الدمقرطة العملية ومواجهة مصاعب التغيير نحو الديمقراطية. صحيح أن هناك إحباطات، وصراعات، وحزبيات، وتشفّيات من قبل الخصوم بأن العملية السياسية والديمقراطية شلت البلد، لكن هذا سيحدث لجميع المتشفين الذين تأخروا عن الانخراط في عمليات مشابهة. وبعد عدة سنوات وربما عقود، تكون تجربتا الكويت وموريتانيا قد نضجتا، فيما يكون من يتشفى الآن يلهث وراءهما وقد أضاع الوقت الكثير.