في عام 1990 شهد المعهد الوطني للصحة بالولايات المتحدة، بداية أكبر مشروع في تاريخ البحث العلمي على الإطلاق، هو مشروع الجينوم البشري (Human Genome Project) والذي هدف إلى تحديد تتابع القواعد الكيميائية التي تكون الحمض النووي الأميني. أو ببساطة، محاولة فك الشفرة التي تتركب منها المادة الوراثية للجنس البشري، ومحاولة معرفة طبيعة ووظيفة الوحدات المكونة لهذه المادة الوراثية، وهي الوحدات المعروفة بالجينات. وبالفعل تم نشر أول مسودة للجينوم البشري عام 2000، وبحلول عام 2003 تم فك الشفرة بالكامل ومعرفة تتابع القواعد الكيميائية التي تتكون منها المادة الوراثية للإنسان. وهذا الإنجاز، الذي يعتبره البعض من أهم الإنجازات العلمية على الإطلاق، تم من خلال تعاون دولي بين مجموعات من الباحثين في جامعات أميركية، وبريطانية، وكندية، ونيوزيلندية. وغني عن الذكر هنا، أن هذا المشروع الذي تخطت تكلفته الثلاثة مليارات دولار، نتج عنه كم هائل من المعلومات، كان أغلبها مجهولا تماماً عند العلماء والأطباء من قبل. وبعض هذه المعلومات طريف وغريب، مثل حقيقة أن الشفرة الوراثية للإنسان تتكون من 30 ألف وحدة وظيفية، أو 30 ألف "جين"، وهو عدد الجينات نفسه في الفئران، وضعف عدد الجينات الموجودة في الديدان. والحقيقة الثانية الغريبة، هي أن أفراد الجنس البشري جميعهم، يشتركون في 99.99 في المئة من المادة الوراثية، وهو ما يجعل الفروق الخارجية الظاهرة للعيان بين الأجناس البشرية غير ذات أهمية تذكر من الناحية الوراثية، وهذا أيضاً يدعم النظريات القائلة إن جميع الأجناس البشرية منحدرة من أصل واحد. ومن الناحية العلمية البحتة، أظهر مشروع الجينوم البشري حقيقة أن الطفرات الوراثية، أو التغيرات الفجائية الجديدة، تحدث غالباً في الذكور، وهو ما يجعل الذكور العنصر الأهم في تغيير الشفرة الوراثية على المدى الطويل، والجنس الأكثر تعرضاً لاحتمالات الأمراض الوراثية. ولكن على رغم كل ما تم تحقيقه في هذا المشروع الضخم، إلا أن تفسير المعلومات والبيانات التي نتجت عنه لا زال في مراحله الأولية. حيث يتوقع العلماء أن الفهم الكامل لتركيبة الجينوم البشري، وبالتحديد كيفية تأدية الجينات لوظائفها، سيفسح المجال لحزمة واسعة من الاختراقات في البيوتكنولوجيا وطرق تشخيص وعلاج الأمراض. وفي الواقع فقد بدأت ثمار هذا المشروع في الظهور حتى قبل أن يبلغ نهايته وتنشر نتائجه، حيث بدأت بعض الشركات في الاعتماد على النتائج الأولية للمشروع في طرح فحوص وراثية سهلة التنفيذ، للكشف عن احتمالات الإصابة بسرطان الثدي، أو اضطرابات سيولة الدم، أو التليُّف الحوصلي للرئتين، أو بعض أمراض الكبد، وغيرها الكثير. هذا بالإضافة إلى طائفة واسعة من المجالات الطبية، مثل أسباب الأمراض السرطانية ومرض الزهايمر، والتي ستجني جميعها ثماراً كثيرة في المستقبل القريب، بالترافق مع زيادة فهمنا للتركيبة الوراثية البشرية. وربما كان أفضل مثال لتوضيح هذا الوعد بمستقبل مختلف في طرق تشخيص وعلاج الأمراض المختلفة، وخصوصاً الوراثية منها، هو الخبر الذي صدر بداية الأسبوع الحالي بالتزامن مع فعاليات مؤتمر الجمعية الأوروبية للإخصاب البشري وعلم الأجنة (European Society of Human Reproduction and Embryology) ، وأعلن من خلاله مجموعة من العلماء عن قرب توفر فحص وراثي واحد، يمكن من خلاله الكشف عن الغالبية العظمى من الأمراض الوراثية في الجنين. وهذا الفحص الذي ستبلغ تكلفته 2500 جنيه استرليني (15 ألف درهم)، يتميز بعدم حاجته إلى تحديد المرض الوراثي الذي يرغب الطبيب أو الأهل في الكشف عنه، حيث سيتم الكشف عن أي مرض وراثي يحتمل أن يكون الجنين مصاباً به، سواء كان هذا المرض محل شك من الطبيب المعالج أم لا، وحتى إذا لم يكن الأبوان مصابين بأي مرض وراثي. ويتميز هذا الفحص أيضاً بأن نتائجه ستظهر خلال أيام معدودة، بدلا من الأسابيع والأشهر التي تحتاجها الفحوص الوراثية المستخدمة حالياً كي تظهر نتائجها. هذا بالإضافة إلى أنه في الوقت الذي يمكن للفحوص الوراثية المتوفر حالياً الكشف عن عدد محدود فقط من الأمراض، إلا أن الفحص الجديد سيوفر إمكانية الكشف عن 15 ألف مرض وراثي دفعة واحدة. ويمكن للفحص الجديد تحقيق جميع هذه المزايا، من خلال اعتماده على تقنية حديثة تدعى (Karyomapping)، لازالت في طور التجربة لإظهار مدى فعاليتها ودرجة سلامتها، ولا زالت أيضاً في انتظار موافقة الجهات التنظيمية والتشريعية. وهذه الموافقة ضرورية في ظل المخاوف التي أثارها هذا الأسلوب الجديد، بسبب إمكانية استخدامه للكشف عن حالات وراثية ليست بالخطيرة أو المهددة للحياة. وهذا يعني أنه يمكن استخدامه لإجهاض أجنة غير مصابة بأمراض وراثية خطيرة، وربما حتى إجهاض الأجنة التي لا تتمتع بالصفات الوراثية التي يرغبها الأبوان، فيما أصبح يعرف بالأطفال تحت الطلب أو أطفال الكتالوجات. كما لو كان الأبوان مثلا يختاران طفلهما من كتالوج، حسب لون البشرة والشعر والعينين، وطول القامة وعرض الكتفين. وعلى رغم أن من المتوقع أن تفرض الجهات الصحية المعنية إرشادات وقوانين صارمة تحدد كيفية استخدام هذا الفحص الجديد، إلا أنه مما لاشك فيه أن مشروع الجينوم البشري، وما سيترتب عليه، سيتماثل في النهاية إلى حد كبير مع الأسطورة اليونانية المعروفة "البندورا بوكس" أو صندوق العجائب، الذي حمل في طياته فوائد جمة ومآسي عديدة، تحولت جميعها إلى واقع، عندما دفع الفضول بصاحبه للاطلاع على ما بداخله.