سألتني الباحثة الأميركية الشابة "من الذي ينتج الأيديولوجيا في العالم العربي؟ هل هم رجال الفكر أو الدين أو الساسة المحترفون؟". استوقفني السؤال المهم، مبادراً بالاعتراف أنه يطرح إشكالات جد عويصة في السياق الراهن. فعندما كتب المفكر المغربي عبدالله العروي في منتصف الستينيات كتابه الشهير "الأيديولوجيا العربية المعاصرة"، كان ينظر بعين النقد الفلسفي الماركسي المتحرر من الغنائية النضالية الفجة إلى تجربة التحديث العربي من إصلاحية محمد عبده إلى ليبرالية طه حسين وسلامة موسى. وقد اعتبر العروي أن مأزق الأيديولوجيا العربية يرجع إلى هشاشة أسسها النظرية، التي تفسر كونها تحولت إلى مستنسخات شعاراتية بدل أن تستوعب مسار الحداثة الغربية باستحقاقاته الفكرية والمجتمعية الكاملة. ما أراده العروي هو توجيه النظر إلى أن صانع الأيديولوجيا العربية هو الزعيم الديني أو السياسي، وليس رجل الفكر المنتج للمشروع الثقافي. وليس من غريب الصدف أن الهياكل الأيديولوجية هيمنت بالفعل خلال منتصف ونهاية القرن المنصرم على الحقل الثقافي بمكوناته المختلفة من دور نشر ودوريات ومراكز بحث ودراسات. أما الساحة الأيديولوجية الغربية فقد عرفت مسلكاً مغايراً. فمن المعروف أن الفلاسفة هم الذين أنتجوا المفاهيم والقيم المؤسسة للأيديولوجيات التعبوية ذات النطاق المتسع. وبعد حلقة الفلاسفة، برز نمط آخر من الصانع الثقافي، هو ما أصطلح على تسميته في سياق معين معروف بـ "المثقف "، الذي يتميز بخاصيتين متلازمتين هما من جهة فكرة "الالتزام " بما تعنيه من تحميل رجل الفكر دور سلطة الوعي والتوجيه العمومي، ومن جهة أخرى اعتبار الثقافة معتركاً للصراع الاجتماعي لإنصاف المظلومين والوقوف ضد الاستبداد والقمع. فالمثقف حلقة وسطى بين الفيلسوف المخترع للمفاهيم والسياسي الذي يدير صراع التحكم في المجال العمومي. ويمكن القول إن التشكيلات الأيديولوجية المعاصرة الكبرى التي عرفها الغرب كالقومية والليبرالية والاشتراكية، إنما كانت تعبيرات عن أنساق فلسفية سابقة وتجسيدات لقيم أنتجها المثقفون الملتزمون. أما في السياق العربي، فقد ظهرت الأيديولوجيا منذ البداية تعويضاً عن السؤال الفلسفي وعجزاً عن دفع استحقاقاته النظرية العصية. أراد الإصلاحي (على غرار الطهطاوي والإمامين الأفغاني ومحمد عبده) أن يستخلص من أفكار عصر التنوير المثل والشعارات الأيديولوجية دون الوصول إلى جذرها الفلسفي. أراد حرية الأوطان والمصائر دون التفكير في متطلبات حرية الوعي والإرادة التي شغلت الفلاسفة المحدثين من ديكارت إلى هيجل. أراد الليبرالي(على غرار طه حسين وسلامة موسى) علمنة المجتمع العربي وتحديثه، دون الرجوع إلى الحوار الفلسفي الذي ولده اكتشاف الدولة - الأمة المرتكزة على مفهوم السيادة من حيث العلاقة المعقدة بين الدين والسياسة (يبدو هذا الحوار جلياً في فلسفتي سبينوزا وهوبز). وعندما هيمن التيار القومي على الساحة العربية منذ نهاية الأربعينيات لم يتجاوز التأسيس الفلسفي كتابات "ميشل عفلق " الأولى التي استندت إلى النزعة الحيوية للفيلسوف الفرنسي برجسون. غابت عن الفكر القومي العربي الخلفية الفلسفية الرصينة للنزعات الأيديولوجية القومية في أوروبا (فيخته وهردر...). وعلى الرغم أن الزعيم المصري جمال عبدالناصر يذكر أنه تأثر في بداية مشروعه الثوري بكتابات "عبدالرحمن بدوي " الفلسفية الأولى وخصوصا كتابه الجميل حول "نيتشه "، إلا أن وثيقته الأيديولوجية الرئيسية (كتاب فلسفة الثورة التي يقال إن محمد حسنين هيكل حرره) لم تخرج عن اللغة السياسية المباشرة، ولا عن الشعارات التعبوية السائدة في تلك المرحلة. ولأمر ما، حدثت القطيعة الحاسمة بين "فيلسوف مصر الأول"(عبد الرحمن بدوي كما وصفه طه حسين) وزعيمها الثوري، فاختار الفيلسوف الانغلاق في الكتابات الأكاديمية المتخصصة والتنظير لفلسفته الوجودية الموغلة في الفردية، قبل أن يهاجر ساخطاً على بلاده، في حين أصبح الضابط "قائدا" متوجا للشارع العربي. انخرط الفيلسوف العربي بعدها في الحقل الأيديولوجي، ووجد في الماركسية ضالته، من حيث كونها نقطة التقاء النظرية المفسرة للطبيعة والتاريخ والدليل العملي للالتزام بالعمل الحزبي والسياسي. غابت عن الماركسي العربي الوجوه الفلسفية لماركس كما قرأه رواد مدرسة فرانكفورت والتوسير... وهيمنت عليه شروح وتلخيصات منشورات الأحزاب الشيوعية في الاتحاد السوفييتي والصين وأوروبا الشرقية. والملاحظ أن الثمانينيات شهدت المحاولات الفلسفية العربية الأولى للخروج من الأيديولوجيا، من منظورين متباينين: تأويلي - ظاهراتي برز في كتابات حسن حنفي الأولى، وابستمولوجي نقدي ظهر في أعمال محمد عابد الجابرى. وإذا كان المنحى الأول عانى سلباً من هاجس التصرف الأيديولوجي في الوعي الديني، فإن المنحى الثاني عانى سلباً من طغيان مقتضيات المشروع الأيديولوجي (بناء الدولة العقلانية الديمقراطية) على الهم الفلسفي. حدث من بعد الانفصام بين الحقل الفلسفي والميدان الأيديولوجي، بسيطرة التيارات البنيوية والتفكيكية الرافضة للأيديولوجية والمشككة في قيم الالتزام ومثل التنوير والحداثة، وتحول معمل الأيديولوجيا العربية إلى مسالك جديدة. من هذه المسالك الأرضية الدينية التي تعبر عنها الأيديولوجيا الإسلامية، على الرغم من رفض الإسلاميين لهذه العبارة، باستثناء المفكر الإيراني علي شريعتي، الذي كتب نصاً مهماً حول دواعي بناء أيديولوجيا إسلامية متكاملة، من منطلق فهم الأيديولوجيا كبناء تصوري متكامل للحياة وللدولة والمجتمع. ومن هذه المسالك أيضاً الفضاءات الواسعة المتولدة عن حركية صياغة القيم الكونية لعالم ما بعد الحرب الباردة، متمحورة حول قيم حقوق الإنسان وأدبيات التنمية الإنسانية وإشكالات العولمة والعولمة البديلة...ولا يتعلق الأمر هنا بأنساق أيديولوجية مكتملة الأساس النظري والبنيات التنظيمية، وإنما بأنماط من الأيديولوجيات النخبوية التي تحملها منتديات "المجتمع المدني"، التي لا تزال إطاراً غائماً للنشاط الأهلي، تلتبس فيه ظواهر عديدة ليس هنا مجال الحديث عنها. وقد نتجت عن هذه التحولات التي رصدناها آثار ملموسة على الحقل السياسي العربي الذي يشهد ضمور وتآكل التنظيمات والأحزاب الأيديولوجية العريقة، وتزايد خطر الأيديولوجيات الراديكالية المتطرفة الجديدة، والدور المتزايد للفاعلين غير الأصليين في الحقل السياسي من تنظيمات "مجتمع مدني" داخلية وخارجية، وإعلام فضائي، وطبقات رجال الأعمال متسعة النفوذ في مراكز صنع القرار. إن النتيجة الأساسية لهذا المنعرج تكمن في الانفصام بين السياسة والأيديولوجيا، بعد القطيعة المسجلة بين الأيديولوجيا والفلسفة.