مِن البلد الوحيد على وجه البسيطة، الذي تعرض خلال تاريخ العالم كله لهجوم نووي... يأتي المدير الجديد للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الدبلوماسي الياباني "يوكيا أمانو" الذي اعتمده المؤتمر العام للوكالة يوم الجمعة الفائت، عقب عملية تصويت طويلة ومعقدة. ومن هيروشيما التي تعرضت للنووي الأميركي عام 1945، حيا رئيس بلديتها هذا الإنجاز الذي حققه مواطنه أمانو وقال: "نأمل أن يؤدي وجوده على رأس الوكالة إلى وضع خريطة طريق لنزع الأسلحة النووية". وقد أنهى قرار الجمعة الماضي حوالي سبعة أشهر من السباق بين أمانو ومنافسه الجنوب أفريقي "عبد الصمد منتي". لكن اعتماد أمانو من قبل المؤتمر العام هو إجراء شكلي بالأساس، أما القرار الحاسم فذلك الذي بلوره التصويت داخل مجلس محافظي الوكالة يوم الخميس الفائت. فبانتهاء الأجل المحدد لتقديم الدول الأعضاء أسماء مرشحيها لقيادة الوكالة، يوم 31 ديسمبر 2008، كان هناك ثلاثة مرشحين يتنافسون على مقعد مدير عام الوكالة، هم أمانو ومنتي، والمرشح الإسباني لويس إيتشافيري. وبينما أسفرت الجولة الأولى من التصويت عن تقدم أمانو بعشرين صوتاً، وبعده منتي بعشرة أصوات، فقد حصل ايتشافاري على خمسة أصوات فقط ليخرج من السباق. ثم استطاع أمانو تعزيز موقعه في الجولة الثانية بإضافة صوتين، إلى أن جاءت الجولة الثالثة يوم الخميس الفائت حيث فاز بأغلبية ثلثي أصوات مجلس المحافظين، ثم نال في اليوم التالي تزكية المؤتمر العام للوكالة، على أن يتولى مهامه مع انتهاء ولاية البرادعي في نوفمبر القادم. ويوكيا أمانو هو سفير اليابان الحالي لدى الأمم المتحدة في فيينا، وهو عضو مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وأحد الخبراء الدوليين في مجال التفتيش ومنع الانتشار النووي. ولد أمانو في محافظة "كاناجاوا" باليابان عام 1947، بعد عامين فقط على هزيمة واستسلام اليابان إثر تعرض مدينتي هيروشيما وناجازاكي لدمار نووي غير مسبوق. وبعد تخرجه من كلية الحقوق، التحق بوزارة الخارجية في عام 1972، وحصل على شهادة عليا في القانون الدولي من جامعة "نيس" الفرنسية عام 1975. وتقلب أمانو بين وظائف عدة في وزارة الخارجية اليابانية والبعثات الدبلوماسية لليابان في فيينا وواشنطن وجنيف وبروكسيل ومرسيليا. وخلال ذلك المسار، عُين في عام 1993 مديراً لشعبة الطاقة النووي في الوزارة، وترأس ثلاث مرات وفد اليابان إلى "مؤتمر نزع السلاح". وخلال الخمس الأوائل من الألفية الثالثة، شغل أمانو عدة وظائف سامية في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فتولى مدير عام الوكالة لشؤون ضبط التسلح النووي، ومدير إدارة نزع الأسلحة النووية ومنع الانتشار النووي. وعكس تنافس المرشحين، أمانو ومنتي، صورة التعارض بين مواقف الدول الصناعية النووية الكبرى التي تريد للوكالة دوراً أكثر صرامة في عمليات التفتيش وسياسة منع انتشار التكنولوجيا النووية، وبين مواقف الدول النامية وغير النووية التي ترى أنه ينبغي للوكالة فعل المزيد لنشر التكنولوجيا ومن أجل تنمية الطاقة وتطوير تقنياتها. لكن ما هي حدود قدرة الوكالة على الاطلاع بما يريده الطرفان منها؟ تهدف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي منظمة مستقلة تأسست عام 1957 وتعمل تحت إشراف الأمم المتحدة، إلى تنشيط وتوسيع دائرة الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وإلى الحد من التسلح النووي، باعتماد آلية الرقابة والفتيش للدول التي تملك منشآت نووية. لكن تعدد الآراء والمصالح داخل الوكالة التي بلغ عدد أعضائها الآن 144 دولة، كثيراً ما يؤثر على أداء مهامها. كما أن إصرار الدول الكبرى على احتكار الطاقة النووية، يضر بمصداقية سياسات منع الانتشار النووي. هذا إضافة إلى التأثير غير المتوازن لصالح الأعضاء الكبار داخل الوكالة. وتتكون الوكالة من جهاز بيروقراطي كبير يضم ستة أقسام وألفي موظف يرأسهم مدير الوكالة الذي ينتخبه مجلس المحافظين كل أربع سنوات. ويعد مجلس المحافظين بمثابة الجهاز التنفيذي للوكالة، وهو يتكون من 35 عضواً يعينهم المؤتمر العام حسب مناطق العالم المختلفة.أما المدير العام للوكالة فهو رئيس جهاز موظفيها، ويعد مسؤولا أمام مجلس المحافظين عن تنفيذ قرارات المجلس. وقد تعرضت إدارة الوكالة خلال الأعوام الأخيرة، لامتحان الحياد والمصداقية في الملف "النووي" العراقي. ورغم أن الولايات المتحدة التي هي عضو مؤسس ويملك وسائل ضغط كبيرة، غير راضية عن أداء البرادعي فيما يخص الملف النووي الإيراني، فهي مرتاحة لدوره في تليين ملف "نووي" كوريا الشمالية، وعن اهتمامه بملف "النووي السوري" الذي ظهر فقط في الأشهر الأخيرة. ومن ذلك يتضح أن أمانو سيستلم من سلفه، محمد البرادعي، في نوفمبر المقبل، تركة ثقيلة من المهام والملفات الشائكة، يتصدرها الملف الإيراني. ورغم التصريحات الإيجابية التي أدلى بها أمانو مؤخراً حول "نووي" إيران، مثنياً على تعاونها مع الوكالة في هذا الخصوص، فإنه بذلك يخالف المرئيات التي تريد واشنطن للوكالة أن تنطلق منها في هذا الصدد. فقد اعتبرت الولايات المتحدة أن البرادعي أضفى طابعاً سياسياً على دور الوكالة في معالجة الملف الإيراني، لكن منتقدي الولايات المتحدة كثيراً ما قالوا إنها تسيس المسألة النووية بشكل عام، وتريد أن تفرض ازدواجيتها في هذا الصدد على الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتتضح أبعاد التحدي أمام أمانو إذا علمنا أنه مرشح الدول الغربية، وأن هذه الدول، إضافة إلى اليابان، قامت بـ "استثمار كبير" في دعم وصوله إلى رئاسة الوكالة... وأن مأخذهم جميعاً على المرشح الجنوب أفريقي، وهو مناضل سابق ضد نظام الفصل العنصري، كان ميله أحياناً لتأييد المواقف الإيرانية، بينما اعتبرت تلك الدول أن أمانو "تقنيا أكثر منه سياسياً". وتبقى معضلة الفصل، في المسألة النووية، بين ما هو "تقني" وما هو "سياسي"، تحدياً لكل من يتولى إدارة "الطاقة الذرية"، وعائقاً أمام "خريطة طريق لنزع الأسلحة النووية"! محمد ولد المنى