أوباما بين ضغوط اللحظة في العراق... واستراتيجية الفعل في أفغانستان ------------- التحديات التي تواجه الرئاسة الدورية السويدية للاتحاد الأوروبي، والعملية الأميركية الراهنة في أفغانستان، وضغوط ما بعد الانسحاب من المدن العراقية، موضوعات ثلاثة ركز عليها كُتاب افتتاحيات الصحف الفرنسية. أولويات الرئاسة السويدية للاتحاد الأوروبي: اعتبرت افتتاحية لصحيفة لوموند أن تولي السويد الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي جاء في وقت بالغ الصعوبة، فدول الاتحاد فرّقت اهتماماتها وأولوياتها تداعيات الأزمة المالية العالمية على نحو أصبحت معه "ما عليَّ اليوم إلا نفسي" هي شعار اللحظة، وستجد ستكهولم صعوبة بالغة في إقناع بقية العواصم بمشاطرتها الاقتناع بضرورة التركيز على أولويتيها الأثيرتين: إيجاد سبل إدارة ناجحة للتغلب على الأزمة المالية، والمزيد من الجهود لمقاومة التغير المناخي. وفي كل من هاتين الأولويتين، لا تملك أوروبا ولا السويد أكثر الخيارات راحة أو سهولة. فالواقع الاقتصادي الصعب الذي خلفته الأزمة أدى إلى تآكل الروح التضامنية بين الدول الأوروبية، وزاد الشروخ والفروق بين اقتصادات الاتحاد. وبالنسبة لتحديات المناخ لا تملك أوروبا أيضاً مصيرها بيدها، لأن الطرفين الأكثر تأثيراً على تغير المناخ العالمي هما الولايات المتحدة والصين. وفي افتتاحية أخرى حول الموضوع ذاته كتبها كزافييه بانون في "لامونتان" اعتبر أن مساعي السويد لانتزاع جدول زمني من شركائها الأوروبيين على طريق تطويق العجوزات في الموازنات، ستكون هي الرهان الذي يمكن الحكم في ضوئه على ما ستنجزه ستوكهولم للمشروع الأوروبي خلال هذه الرئاسة الصعبة، التي يزيد من صعوبتها أيضاً وجود وضع تشريعي مضطرب إذا تذكرنا جدة انتخاب تشكيلة البرلمان الأوروبي الحالي، وحالة عدم اليقين التي تكتنف وضعية وأداء المفوضية الراهنة. وقبل هذا وذاك، هنالك استحقاقات ومواعيد أخرى حاكمة. بمعنى أنه لابد من السباحة لمسافات ما زالت تتطاول قبل الوصول إلى بر الحلم الأوروبي. أوباما الأفغاني: تحت هذا العنوان نشرت لوموند افتتاحية حللت فيها أبعاد وخلفيات العملية العسكرية التي تخوضها القوات الأميركية الآن في إقليم هلمند الأفغاني. وفي البداية قالت الصحيفة إن أوباما قرر على ما يبدو، وبعد مضي ستة أشهر على دخوله البيت الأبيض، أن يبدأ الجزء النشط من استراتيجيته الأفغانية، فهذه العملية العسكرية التي يشارك فيها 4 آلاف من "المارينز" تسعى لتحقيق هدف بالغ الوضوح هو إعادة السيطرة على المنطقة الحدودية مع باكستان، وذلك للحيلولة دون ظهور "دولة في الدولة" الأفغانية واقعة تحت سيطرة "طالبان". وميزة عملية هلمند الحالية هي أنها أعدت بشكل جيد مع إرسال تعزيزات من 20 ألف رجل إلى أفغانستان، وهذا خيار أتاحه الانسحاب من العراق، والتنسيق مع الجيش الباكستاني على الجانب الآخر من الحدود. ولضمان نجاح العملية أعطيت تغطية إعلامية ملحوظة. كما أنها تنفذ بطريقة مختلفة عما جرى خلال السنوات الماضية، فلم يتم التمهيد لها بضربات جوية مكثفة، مخافة وقوع أضرار كبيرة بين المدنيين الأفغان، وهو ما كان خلال السنوات الماضية يؤدي في معظم الأحوال إلى استعداء السكان ضد القوات الدولية. وكون العملية مقتصرة على المواجهة البرية، والاستمرار فيها لاستعادة الأرض قدماً وراء قدم، من شأنهما أن يعيدا ثقة السكان في جدية وتصميم القوات الأميركية على استعادة النظام والاستقرار. وهذه المنهجية سبق تجريبها على يد الجنرال بترايوس، وبنجاح مؤكد في العراق. ولذا يسعى لتصدير نجاحها إلى الجنوب الأفغاني كذلك. وتعتبر لوموند أن لعبة أوباما الكبرى قد بدأت الآن فعلا. فعودة أجواء الأمن والاستقرار وتحسن الظروف العامة هي حجر الزاوية في استراتيجيته الأفغانية. ولكن يلزم القول إنها غير كافية الآن. فلا تكفي إعادة السيطرة على هلمند وحدها لتغيير معادلة علاقات القوى القائمة، وذلك لثلاثة أسباب: أولا، نظراً إلى حقيقة طالما تم القفز عليها خلال السنوات الماضية وهي أنه ما لم تتحسن أحوال السكان المعيشية اليومية من خلال برامج إعادة إعمار ذات شأن، فإن الضغوط الأمنية لن تعرف نهايتها. ثانياً، ومثلما دلت الحالة العراقية، فإن جهود أميركا وحلفائها لن تعرف النجاح المنشود ما لم تسندها قوة عسكرية أفغانية صلبة، ودعم لقوة وفاعلية الحكومة المركزية في كابول. وهذا ما ينبغي اعتباره رهاناً لانتخابات الرئاسة الأفغانية المنتظرة في شهر أغسطس المقبل. ثالثاً، ولن يكتب النجاح طبعاً لاستراتيجية أوباما دون تعاون صلب من قبل الجانب الباكستاني. وفي المجمل فإن استعادة هلمند لا تعني بالضرورة الفوز بالحرب. وفي سياق متصل كتب إيف تريار افتتاحية أخرى لصحيفة لوفيغارو تحت عنوان "أوباما، قائد حرب"، قال فيها إن الرئيس الأميركي بدأ الآن ترجمة الأقوال إلى أفعال، فعملية هلمند الحالية هي التجسيد الفعلي لوعده الانتخابي، وستشكل منعطفاً في السياسة الأميركية تجاه أفغانستان. ولأولئك الذين كانوا يصنفون عادة أوباما في خانة "الحمائم" ويتساءلون عن قدرته على المواجهة ها هو يحمل الإجابة ويتيح لهم فرصة رؤيته منهمكاً في لعب دور "قائد الحرب". واعتبر الكاتب أن اختيار أوباما ومستشاريه خوض معركة هلمند كاملة على الأرض ودون تدخل جوي يعكس وعيهم بالآثار السلبية البالغة للعمليات الجوية، إضافة إلى أن طبيعة الأرض الأفغانية نفسها تفرض على أقوى جيوش العالم أن تتكيف مع متطلبات حرب العصابات. وأخيراً، اعتبر الكاتب أن من ضمن الأهداف الخارجية للعملية إقناع الحلفاء الأوروبيين المترددين للغاية تجاه الالتزام الأفغاني، بأن أميركا قد ألقت بثقلها الآن هناك، وأنها في المقدمة، ولا تريد تحميل الحلفاء بالتزامات يبدون إزاءها كل هذا الصدود. وأخيراً عبر "تريّار" عن خشية من أن يكون أوباما قد تخلص الآن من المستنقع العراقي ليقع في مستنقع أفغاني معروف عنه عداؤه لكل قوة آتية من الخارج، وخاصة أن الذاكرة الأميركية ما زالت، على رغم طول العهد، مكتنزة بذكريات فيتنام، حيث مر من هناك رئيسان "ديمقراطيان" أسبقان هما كينيدي وخاصة جونسون. العراق... الأميركيون خارج المدن: في افتتاحية كتبها دومينيك كينو في "لاكروا" قال إنه لا شيء مؤكد حتى الآن بالنسبة لمستقبل الأحوال في العراق اليوم، وسؤال اللحظة هو: هل ستتمكن قوات الأمن العراقية من تسيير المرحلة الانتقالية بشكل آمن؟ وعلى رغم أن أعمال العنف قد تناقصت بشكل كبير، إلا أن الوضع يبقى مع ذلك محفوفاً بالخطورة بشكل محسوس، بدليل التفجيرات والهجمات التي سجلت خلال الأيام الأخيرة. وكائناً ما كان الأمر فإن مآل ما بعد الانسحاب الأميركي هو وحده ما سيسمح بالحكم على الحصيلة النهائية لحرب العراق، التي شنت أصلا، من جانب واحد، ولأسباب تبين فيما بعد أنها كانت ملفقة، على رغم إيجابية إسقاطها لنظام ديكتاتوري. فإذا ما تمكن العراقيون في النهاية من تكريس الممارسة الديمقراطية والتعايش في بلادهم فإن ذلك سيعطي معنى بأثر رجعي لحرب لم يكن لها معنى في البداية. أما إذا سادت أجواء الفوضى والرعب بعد الانسحاب، فلن يكون ظلماً اتهام الأميركيين عندها بأنهم قد فشلوا مرتين. مرة حين شنوا الحرب، ومرة أخرى حين فشلوا في إعداد السلام. وبديهي أن الفوز بإعداد النهايات ليس هو الجزء السهل في الحروب عادة. وهذا الهاجس المتشائم الأخير يبدو أيضاً أقوى في افتتاحية أخرى بصحيفة "لومانيتيه" كتبها باتريك آبل- مولر، وإن كان لا يستبعد في حال نجاح التصور الأميركي أن يتحول إلى رافعة لدينامية سياسية أوسع في العراق والمنطقة. إعداد: حسن ولد المختار