إذا ما مضى كل شيء كما هو مخطط له، فمن المفترض أن تكون القوات الأميركية -عند قراءتكم لهذا المقال- قد استكملت انسحابها من المدن العراقية بشكل كامل. وبعد ذلك، يفترض أن يبدأ الحساب المعقد الباقي لمعرفة ما إذا كان ما بين نصف مليون إلى مليون عراقي تقريباً الذين لقوا حتفهم، والبنية التحتية، والبنية الاجتماعية لبغداد ومعظم المدن العراقية الأخرى التي دُمرت، كانوا جميعاً ضحايا لغرض نبيل حقاً، كما يقال. فقد فعلت الولايات المتحدة كل ذلك في العراق، من أجل مطاردة صدام، بسبب امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل التي ادعت أنه كان يمتلكها دون أن يثبت شيء من ذلك. وعلى رغم أن نظام صدام كان نظاماً قاسياً دون شك، إلا أنه قد يتبين أنه ليس أكثر قسوة من الفوضى التي قد تحل محله في نهاية المطاف، إذا ما أخفقت الحكومة الحالية في أداء دورها، وهو احتمال أرى شخصياً أنه وارد. وإذا ما حدث ذلك، فإن أولى المحصلات البديلة التي قد تترتب عليه هي احتمال تخلي الولايات المتحدة نهائياً عن العراق، وسحب جميع قواتها من هناك، تاركة البلد فريسة للحرب الأهلية والفوضى الشاملة. وهذا الشيء تحديدا هو ما فعلته إدارة نيكسون بالفعل في فيتنام، عندما تركت شعبها يواجه مصيراً أسوأ بما لا يقاس من المصير الذي كان يمكن أن يواجهه، فيما لو لم تتدخل أميركا في بلاده أصلا. وأما المحصلة الثانية المحتملة فهي رفض الرئيس أوباما التخلي "عن حرب الاختيار" التي شنها بوش خوفاً من اتهامه من قبل "الجمهوريين" بـ "الاستسلام للإرهاب" و "التخلي عن حلفائه". وقد يسعى أوباما إلى البحث عن حل مستساغ، من خلال تعزيز وتوسيع تواجد قوات الشركات الخاصة الموجودة بالفعل في العراق. وعلى رغم أن ذلك لن يحقق سوى القليل من الفوائد للعراقيين، إلا أنه سينقذه هو شخصياً من الإحراج العام. ويمكننا أن نسمى هذه المقاربة بـ "الحل عن طريق التمويه" وهو ذلك النمط من الحلول الذي مارسه البيت الأبيض في عهد الثلاثي بوش -تشيني -روف. ففي العراق، لم تفعل الولايات المتحدة شيئاً ناجزاً لتعزيز الهدنة الهشة القائمة حالياً بين السنة والشيعة. وكان يقيني الشخصي دائماً هو أن العلاقة بين السنة والشيعة هي من نوعية المشكلات التي تحل نفسها بنفسها تدريجياً -وإن باكلاف مؤلمة- نظراً لاضطرار أبناء الطائفتين للعيش سوياً معاً، لأنه ليس هناك ببساطة مكان آخر يمكن أن يذهبوا إليه بعد أن تعايشوا لقرون عديدة في هذا السهل الخصيب والدلتا التي تفصل بين نهري دجلة والفرات. لقد كان غزو أميركا للعراق واحتلاله هو المسؤول عن تفجير الصراع على السلطة بين الأقلية السنية الحاكمة سابقاً، والتي كانت بعض فئاتها مرتبطة بالنظام البعثي الديكتاتوري، وبين الأغلبية الشيعية التي كانت مضطهدة في الماضي. ومن المعروف أن الأغلبية الشيعية تعيش في المناطق الحدودية المجاورة لإيران الثورية سابقاً، والمتجاذبة مع نفسها حالياً، والتي كانت مركزاً لقوة الشيعة ونفوذهم منذ العصور الوسطى، كما تعد واحدة من أقدم الحضارات. ومع ذلك، فإن ما حدث في الحرب التي اندلعت بين العراق وإيران 1980- 1988 لم يثبت فيه الشيعة العراقيون أنهم حلفاء ضروريون لأمثالهم من الشيعة الإيرانيين، بل لقد قاتلوا بدلا من ذلك بشراسة ضدهم في تلك الحرب التي شنها عراق صدام ضد إيران الخميني، بموافقة أميركية بسبب خشيته من التهديد الثوري الإيراني من ناحية، ولاعتقاد صدام أنه قادر على هزيمة هذا البلد الذي كان يمر في ذلك الوقت بحالة من الفوضى وعدم الاستقرار من ناحية أخرى. ويبقى بعد ذلك أخطر موضوع معلق بدون حل في العراق في الوقت الراهن، وهو موضوع التجاذب والمطالب حول منطقة حقول النفط في كركوك، وهي مطالب تتغذى على مطامح وضغائن متبادلة منها الضغينة التي لازال الأكراد يشعرون بها بسبب ما قام به نظام صدام من إبعاد قسري لهم عن تلك المنطقة، وما قام به المقاتلون الأكراد بعد سقوط صدام من طرد للعرب من كركوك، وذلك بعد أتاحت لهم وصاية الولايات المتحدة وحمايتها فرصة تأسيس إقليم يتمتع بالحكم الذاتي داخل حدود لم يتم الاعتراف بها حتى الآن. ومدينة كركوك غنية بالنفط ومرغوبة من قبل مصالح النفط والحكومات الأجنبية، وطبعاً من قبل أي حكومة تحكم بغداد. ولاشك أن دولتي إيران وتركيا المجاورتين، اللتين كانتا تعارضان تاريخياً على الدوام فكرة إقامة كيان كردي -وخصوصاً إذا ما كان غنياً- لهما إسهام كبير فيما يحدث حالياً في تلك المنطقة. في ليلتي الاثنين والثلاثاء الماضيين، وهما اليومان الأخيران في شهر يونيو المنصرم، شهدت المدن العراقية إطلاقاً للألعاب النارية، احتفالا بالانسحاب الأميركي، وهو احتفال أكد رئيس الوزراء المالكي أن ساعة الصفر لانطلاقه هي اليوم التالي (الأربعاء). لقد اختفى الزي العسكري الأميركي إذن من شوارع المدن العراقية، ولكن القوات الأميركية ستبقى مع ذلك على مسافة قريبة من تلك المدن على أهبة الاستعداد للقيام بدور الحَكَمْ في حالة وقوع مشكلات. ومن المنتظر أن تغادر القوات المقاتلة بنهاية العام المقبل كما هو مقرر. أما باقي الأميركيين -باستثناء مستخدمي الشركات الأمنية- الذين يماثلون الجنود عدداً فسيرحلون في العام الذي يليه. وسؤال السيادة ستتم الإجابة عليه بين الآن وذلك الوقت. وخلال تلك الفترة أيضاً سيكون مصير سياسة أوباما الخارجية قد تحدد كذلك. ويليام فاف ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"