يُظهِر استطلاع أجرته مؤخراً جامعة ميرلاند و مؤسسة "زغبي العالمية"، أن شعبية ألمانيا في العالم العربي في تزايد. وقد كشف الاستطلاع أن أجزاء واسعة من المجتمع العربي توافق على دور ألمانيا المحتمل في السياسة العالمية. ويوافق 23 في المئة من العرب الذين جرت مقابلتهم في ست دول عربية أنه إذا كانت هناك دولة عظمى واحدة في العالم فيجب أن تكون ألمانيا (مقارنة بحوالي 8 في المئة ذكروا الولايات المتحدة و14 في المئة ذكروا الصين). ما الذي يجعل ألمانيا مرشحة بصورة شعبية في الشؤون الدولية؟ ما الذي يمكن للولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية أن تتعلمه من شعبية ألمانيا للمساعدة على إرشاد سياساتها الخارجية؟ أحد الأجوبة على السؤال الأول، يكمن في غياب ماضٍ استعماري ألماني في العالم العربي، إضافة إلى تاريخ استمر لأكثر من ستين سنة من عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. وتعزَز هذه الأمور مصداقية ألمانيا اليوم. كذلك أعطت معارضة ألمانيا لحرب العراق دفعة لثقة العرب في ألمانيا كلاعب دولي. تميزت سياسة ألمانيا الخارجية تجاه العالم العربي في السنوات الأخيرة بتأكيد على تعددية الوجوه والأساليب المدنية للانخراط الخارجي، وهو أسلوب قد يشكل نموذجاً قيّماً للدول الأخرى. تتبع ألمانيا أهدافها في السياسة الخارجية بشكل كامل تقريباً في أطر متعددة الوجوه مثل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وحلف الناتو أو الـ G8 ، ويقتصر استخدام الجيش في المنطقة بشكل رئيسي على مهمات فرض الاستقرار ضمن إطار الأمم المتحدة، مثل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "يونيفيل"، التي تضم 220 جندياً ألمانياً. كذلك توفر ألمانيا الأمن ومعونة إعادة الإعمار في لبنان والعراق وغزة والضفة الغربية. إضافة إلى ذلك، هناك تقدير كبير لعمل المؤسسات السياسية الألمانية مثل فريدريش إيبرت و"هاينريك بول" و"كونراد أديناور" و"فريدريش ناومان"، الذي تراوح بين دعم الاتحادات النقابية إلى ورشات العمل للأئمة، في أوساط مجال واسع من العرب الناشطين سياسياً. إضافة إلى ذلك، يعترف العرب والإسرائيليون على حد سواء- في عملية سلام الشرق الأوسط- بألمانيا كوسيط سلام عادل غير منحاز. وقد قامت السياسة الخارجية الألمانية بشكل عام، نتيجة لالتزاماتها التاريخية لإسرائيل بدعم المصالح الإسرائيلية. رغم ذلك، فإن جمهوراً ألمانياً متعاطفاً إلى حد بعيد مع القضية الفلسطينية، إضافة إلى سياسات خارجية متزنة، سمحا لألمانيا أن تصبح شريكاً جديراً بالثقة لكلا الجانبين. ويثبت انخراط برلين في عملية تبادل الأسرى بين "حزب الله" وإسرائيل خلال السنوات الأخيرة قدرة ألمانيا على الوساطة. إلا أن السياسة ليست المصدر الوحيد لهذا الانطباع الإيجابي، فهناك اعتبار كبير للهندسة الألمانية، مثل صناعة المعدات والسيارات، حيث يجري الإقبال عليها في العالم العربي. أما من حيث التعليم فتشغل ألمانيا المركز الثاني في الاستطلاع بعد فرنسا كمقصد للدراسة في الخارج. وتجري رعاية برامج التبادل الأكاديمي من خلال بعثات ألمانية متنوعة، وقد نتج عن شراكات تعليمية جرت مؤخراً دورات دراسية تحقق احتياجات معينة في المنطقة، مثل شهادة الماجستير الألمانية- العربية في موارد المياه المتكاملة بجامعة عمان. ولدى الألمان اهتمام بالفن الإسلامي وتاريخ الشرق الأوسط. وتستهدف المعونة التنموية الألمانية للمنطقة أحياناً إعادة إعمار المدن القديمة، من حلب في سوريا إلى شيبام في اليمن، والحفاظ على الآثار، وخاصة تلك الموجودة في مصر القديمة إلى أخرى من الحقبة الإسلامية، مثل متحف الآثار الألماني في القاهرة. وتجسد هذه المشاريع احترام ألمانيا الحقيقي الصادق لتاريخ الشرق الأوسط.. ويبدو أن ألمانيا لا تملك سوى طموح محدود لتصبح لاعباً أكبر في المنطقة. نتيجة لذلك أصبحت ألمانيا في موقع فريد لتبقى وسيطاً مستثمراً وصديقاً يتمتع بمصداقية وشعبية في العالم العربي. يشكل الاحترام للتوجهات التاريخية في المنطقة والتركيز على تعدد الوجوه في الشؤون الدولية، إضافة إلى روابط ثقافية وتعليمية واقتصادية أقوى، أدوات أكثر فائدة في صنع الدولة. يتوجب على ألمانيا الاستمرار في هذا الطريق وفي الوقت نفسه توظيف سمعتها لدفع احتمالات السلام والنمو الاقتصادي والإصلاح السياسي في المنطقة قدماً. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ زوي نوتري زميلة بـ"المجلس الألماني للعلاقات الخارجية" معنية بالإصلاح السياسي في العالم العربي والمعونة في مجال الديمقراطية. ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كومون جراوند"