من بعد انتخاباتها التشريعية الناجحة في شهر مايو، والتي استأثرت باهتمام دولي وإقليمي كبير باعتبارها كبرى الديمقراطيات الإسلامية، وثالث أكبر ديمقراطية في العالم من بعد الهند والولايات المتحدة، ها هي إندونيسيا تعود مرة أخرى إلى واجهة الأحداث بسبب انتخاباتها الرئاسية المقرر إجراؤها في الثامن من يوليو الجاري. هذه الانتخابات التي من الصعب التكهن بسيناريوهاتها بسبب كثرة المتنافسين وتضارب الأخبار حول تحالفات وائتلافات القوى السياسية فيما خص لوائح خوض السباق الرئاسي، أي منْ سيرافق منْ في تذكرته الانتخابية للمنافسة على منصب نائب رئيس الجمهورية. والجدير بالذكر أنه في الانتخابات التشريعية في مايو حل الحزب "الديمقراطي" بقيادة الرئيس الحالي "سوسيلو بامبانج يودويونو" في المركز الأول بنسبة 21 بالمئة من الأصوات، وتلاه في المركز الثاني بنسبة 14.5 بالمئة حزب "جولكار" بقيادة نائب رئيس الجمهورية "يوسف كالا". (حزب جولكار لمن لا يعرفه أسسه الرئيس الأسبق أحمد سوكارنو في عام 1964 من ائتلاف أكثر من 200 منظمة من منظمات المجتمع المدني، لكن إدارته ومفاتيحه كانت دائماً بيد حفنة من جنرالات الجيش المسيسين. لذا كان الحزب يقلب ولاءه لمن يجلس في السلطة بدليل تحول ولائه من سوكارنو إلى سوهارتو بمجرد بروز الأخير كقائد غير منازع للبلاد في عام 1967. ومع الثورة الشعبية التي أطاحت بسوهارتو في عام 1998 ضعف نفوذ الحزب وتشتت شمله بسبب لجوء الكثيرين من رموزه إلى الانفصال عنه والالتحاق بالأحزاب السياسية الجديدة خوفاً من المساءلة عما ارتكبه هذا الحزب تحت قيادة سوهارتو من جرائم وفساد وقمع). أما المركز الثالث، فقد كان من نصيب حزب "النضال من أجل الديمقراطية" بقيادة الرئيسة السابقة"ميجاواتي سوكارنوبوتري" ابنة بطل الاستقلال والذي حصل على نسبة 14.03 بالمئة من الأصوات. إلى ذلك تمكنت أحزاب صغيرة من ضمن الأحزاب الثمانية والثلاثين المرخص لها رسميا مثل: حزب "حركة إندونيسيا العظمى" بقيادة صهر سوهارتو الجنرال المتقاعد "برابوو سوبيانتو" والمعروف محلياً باسم "بينوشيه إندونيسيا" في إشارة إلى جرائمه الكثيرة بحق نشطاء الديمقراطية ومطالبي الاستقلال في تيمور الشرقية زمن حكم والد زوجته، ومثل حزب "هانورا" بقيادة الجنرال السابق ويرانتو الذي كان وزيراً للدفاع في حكومة سوهارتو، والمتهم دولياً بارتكاب جرائم حرب في تيمور الشرقية في عام 1999.. تمكنت من اجتياز عتبة الـ 2.5 بالمئة من الأصوات واللازمة بحسب الدستور لنيل مقاعد برلمانية وبالتالي تقديم مرشحين باسمها لمنصبي الرئاسة ونيابة الرئاسة أو الدخول لهذا الغرض في ائتلاف مع أحزاب أكبر منها (ينص الدستور الإندونيسي بموجب الإصلاحات التي أجريت في حقبة ما بعد سوهارتو على أن الأحزاب أو الائتلافات السياسية التي ترغب في تقديم مرشحيها للرئاسة ونيابة الرئاسة يجب أن تملك 20 بالمئة من مقاعد البرلمان أو 25 بالمئة من أصوات الشعب)، حيث حصل حزب "سوبيانتو" على نسبة 4.6 بالمئة من الأصوات، فيما حصل حزب "ويرانتو" على نسبة 3.77 بالمئة. لقد عكست النتائج المذكورة هنا ما كان متداولاً في الشارع من أن الأحزاب الكبيرة سوف تسيطر مجتمعة على حوالي 50 بالمئة من أصوات الشعب، تاركة الباقي موزعاً على الأحزاب الصغيرة بنسب متفاوتة، كما تركت هذه النتائج مجالًا للمراقبين لبعض التكهنات حول لوائح السباق الانتخابي. وبطبيعة الحال، فإن أبرز المتنافسين على منصب الرئاسة هو الرئيس الحالي "يودويونو" الذي يطمح إلى ولاية ثانية مدتها خمس سنوات، لن يستطيع بعدها التجديد بحسب التعديلات الدستورية في حقبة ما بعد سوهارتو، الذي لم يكن دستوره يتحدث عن هذا الأمر، وبالتالي كان يترشح للرئاسة المرة تلو المرة. أما الشخصية التي سوف ترافقه على تذكرته للفوز بمنصب نائب الرئيس، فهي الحاكم السابق لمصرف إندونيسيا المركزي "بويديونو". وهذا عكس ما انتشر من شائعات في الأسابيع القليلة الماضية عن احتمالات عقد صفقة حول هذا الموضوع ما بين "يودويونو" و"ميجاواتي"، بمعنى أن يخوضا السباق سوياً على أن تصبح الثانية نائبة للرئيس في حال فوزهما. و لو أن هذه الشائعة التي استندت إلى عدم رغبة ميجاواتي في لعب دور زعيمة المعارضة في البرلمان مدة خمس سنوات أخرى صدقت، لكان هناك تحالف ما بين حزبين سياسيين يملكان عدداً لا يستهان به من المقاعد البرلمانية وبإمكانه أن يحسم نتائج الانتخابات الرئاسية مبكراً، علاوة على أن "يودويونو" كان سيستفيد كثيراً من مثل هذا التحالف لجهة تنفيذ برامجه الإصلاحية وتمريرها داخل البرلمان دون معوقات. لكن يبدو أن تفاهم هاتين الشخصيتين أعاقه ما يشوب علاقتهما من توتر منذ أن انشق "يودويونو" عن حكومة ميجاواتي ليخوض معركة الرئاسة في عام 2004 وينجح فيها. والدليل هو أن "يودويونو" و"ميجاواتي" لم يشاهدا في مكان واحد خلال الأعوام الخمسة الماضية. وعلى الرغم من أن إندونيسيين كثرا تمنوا ألا تدخل ميجاواتي السباق الانتخابي بتذكرة واحدة مع "سوبيانتو" كنائب للرئيس، فإن ميجاواتي خذلتهم بتفاهمها مع من بينها وبينه ثارات دموية قديمة من حقبة التسعينيات حينما تولت قوات "كوستارد" التي كان سوبيانتو يقودها وقتذاك باقتحام مقر حزب ميجاواتي وقمع المتحصنين فيه بوحشية واختطافهم إلى معسكرات تعذيب سرية. ومن المفيد هنا أن نذكر أن "سوبيانتو" يدعي بوجود أكثر من مليون نسمة يؤيدونه، ولاسيما في الأرياف والقرى الساحلية التي أقام فيها لسكانها مشاريع تنموية من خلال الأموال التي سرقها يوم كان صاحب نفوذ وسطوة، أو من خلال استغلاله لأموال أخيه هاشم الذي صنف من قبل المجلات الآسيوية ضمن الشخصيات، التي تملك بليون دولار فأكثر في آسيا. ومن المفيد أيضاً أن نشير في هذا المقام إلى أن والد سوبيانتو "سوميترو جوجوهاديكوسومو" كان أحد ألد الأعداء السياسيين لوالد ميجاواتي (أحمد سوكارنو). لكن السياسة لا تعترف بأصدقاء أو أعداء دائمين! ومن جهة أخرى يعتبر المراقبون تذكرة كالا – ويرانتو (لمنصب الرئيس ونائبه على التوالي) هي الأكثر تماسكا، وربما الأكثر احتمالاً للفوز، وإن كان "يوسف كالا" قد بدأ يتعرض لبعض الاحتجاجات من داخل صفوف حزبه مع تهديدات بالتمرد عليه، وذلك كردة فعل غاضبة على تحالفه مع مجرم الحرب "ويرانتو". غير أن "كالا"، الذي شغل منصب نائب رئيس الجمهورية خلال السنوات الخمس الماضية ثم قرر هذا العام أن يتخلى عن رئيسه وينافسه على الرئاسة، يراهن في فوزه بالمنصب الأعلى في البلاد على ما يدعيه من دور في تحقيق السلام في إقليم آتشيه، فضلا عن ادعاءاته بإنجاز أمور كثيرة أخرى ينازعه فيها "يودويونو". والجدير بالذكر أن أنصار"يودويونو" من أعضاء الحزب الديمقراطي وآخرين انتهزوا فرصة ما تردد حول وجود شقاق في حزب جولكار، ليشددوا ضغوطهم على "يودويونو" كي يستغل الأخير الوضع، ويختار إحدى الشخصيات المتمردة على "كالا" ليكون في معيته كنائب للرئيس في السباق الانتخابي، خصوصاً وأن من بين هؤلاء الشخصيات المتمردة أسماء لامعه ومعروفة مثل فاضل محمد حاكم إقليم جورونتالو ذو الشعبية الكبيرة، أو مثل وزيرة المالية "سري مولياني أندواتي" الشخصية السياسية المستقلة والمحترمة على نطاق واسع محلياً ودولياً بسبب صرامتها في مكافحة الفساد والفاسدين في الأجهزة البيروقراطية. غير أن "يودويونو" فضل اختيار المصرفي بويديونو.