تنشب هذه الأيام حرب "فتاوى" بين منظمة "الجهاد الإسلامي"، وحركة "حماس"، في جواز التفاوض مع إسرائيل أو حُرمته. الجهاديون يقولون إن التفاوض حرام، والحماسيون يقولون إنه جائز. وللفتوى شروطها وظروفها. وإذا كانت الظروف الآن- بل ومنذ سنوات- تتطلب نقاشاً شرعياً لدى الإسلاميين في هذه المسألة، فالذي أعرفه ويعرفه العارفون أن شروطها ليست متوافرة أو متاحة لدى "الجهاد" ولدى "حماس". ولا يرجع ذلك لقلّة العلم بالشريعة أو بآداب الفتوى والمفتي والمستفتي، بل لأنّ التنظيمين ليسا بالفعل تنظيمين دينيين، يتوقفان في تصرفاتهما عند ما يقوله هذا الفقيه أو ذاك. التنظيمان هما تنظيمان سياسيان ثوريان يقولان بالحرب الطويلة الأمد من أجل التحرير، واستعادة فلسطين التي يعتبرانها وقفاً إسلامياً. فالوقف والجهاد (وهما مفهومان دينيان) وقعا في أصل قيام الحركتين، لكن المسار الثوري المسلّح في العقدين الأخيرين، غَلَّب سِمة الثورية على سِمة الائتمام بالشريعة، وبالتالي الأخذ بآراء وفتاوى فقهائها. وهذا الأمر واضح لدى "حماس" في السنوات الأخيرة، أكثر من وضوحه لدى تنظيم "الجهاد". فقد قامت "حماس" بخطوات عدة لا يمكن تبريرها في فقه المتشددين، وذلك مثل العمليات الانتحارية، ومثل الدخول في العملية السياسية، ومثل الصراع مع "فتح" والاستيلاء على غزة، وأخيراً مثل الآراء التي صدرت عن قادة "حماس" في شأن العملية السلمية، وقيام الدولة على أراضي الـ67. وهذه كلها أمور تستطيعها الحركات الثورية التي تراعي الظروف والمصلحة السياسية، ولا تستطيعها الحركات الدينية المتشددة. ففي تلك الحركات الشيعية والسنية الجديدة، يحتاج الأمر في كل خطوة إلى فتوى من فقيه مرجعي لديها أو "فقيه تقليد" كما لدى الشيعة. والواضح أن "حماس" في سائر الخطوات السابقة، ما استشارت فقهاء الشريعة، بل خضعت للضرورات السياسية أو الخيارات السياسية التي ارتآها قادتها في كل مرحلة. وهكذا فإن الظروف والسياقات هي التي صنعت الوقائع والأحداث وقادت "حماس" إلى المكان الذي تجد فيه نفسها الآن. وليس الأمر على هذا النحو لدى حركة "الجهاد الإسلامي". فمنذ البداية غلبت عندها النزعة الثورية على الإسلامية، ويملك قادتها وعياً أكبر وأوسع بالظروف والسياقات. و"صفاؤها الثوري" هو الذي حال بينها وبين المشاركة في العملية السياسية، وليس إسلامها. والذي أعرفه أن الحركة كانت ضد المشاركة في الانتخابات، كما كانت ضد الاستيلاء على غزة فيما بعد. وقد سمعت حماسيين يقولون إن "الجهاد" حسدت "حماس" على قوتها وسطوتها، ولذلك فقد عارضت أخذ غزة. والواقع أن "الجهاد" فيما صارت إليه، ما كانت مدفوعةً بدوافع دينية أو فتاوى، بل اتخذت ذلك عن إدراك منها للنتائج السياسية والأمنية للتصرفات. فلو شاركت في العملية السياسية الانتخابية لكان عليها عاجلا أو آجلا أن تعترف بإسرائيل. ولو نافست وصارعت على السلطة، لكان عليها أن تستولي على غزة أو أن تشارك في ذلك. ومن هنا، فإن المواقف التي اتخذتها "حماس" كانت مواقف سياسية وإن تغطت بغطاء ديني، وكان لابد من أن تصل إلى الاعتراف بإسرائيل مباشرةً أو مواربة. أما غير المنطقي أو غير المفهوم فهو موقف حركة "الجهاد". لأنّ المقدمات سياسية، والنتائج فتاوى دينية. وإذا كانت أخطاء "حماس" على طول الخط هي التي أدخلتها أو جرجرتها إلى فتوى جواز التفاوض، فإنّ "الاستقامة السياسية" والنضالية لـ"الجهاد" أوصلتها إلى فتوى التحريم، مع أن تصرفاتها السابقة كلها غير دينية بل سياسية. فعدم تسيّس "حماس" من قبل ألجاها إلى الشريعة لتبرير التصرفات. وتسيّس الجهاد الإسلامي مع الأدلجة الزائدة أوصلها إلى التبرير الديني للموقف المعاكس! لا نموذج للحركات الدينية ذات الأهداف السياسية في العالم العربي، غير "حزب التحرير" وتنظيم "القاعدة". وحزب التحرير أوصلته دينيته إلى الهامشية الجامدة، أما "القاعدة" فأوصلها تديّنها المتشدد إلى الإرهاب. إذ إن كل عمل من أجل إقامة نظام أو دولة أياً يكن اسمها هو عمل سياسي. و"حزب التحرير" بجموده عند هدف إقامة الخلافة أو إعادتها، باعتبارها أصلا من أصول الدين، وضع نفسه خارج العمل السياسي وبالتالي خارج السياق كله مهما تضخمت أعداد أعضائه. أما "القاعدة" فما كانت ذات هدف سياسي قريب، بل هي لـ"الجهاد" الدائم لإقامة دولة الخلافة العالمية! ولذلك انتهى بها الأمر إلى الإرهاب. ولا كذلك حركتا "الجهاد" و"حماس". أما "الجهاد" فعملت من أجل التحرير باسم الإسلام، وأما "حماس" فهدفت بدايةً للشيء نفسه، ثم عندما صارت حركةً جماهيرية (وبسبب جذورها الإخوانية)، دخلت في الصراع على السلطة، وانتهى بها الأمر رهينةً في غزة. ولذا فقد كان الحل للخروج من الحصار والعزل، هو الدخول في التفاوض، وهو أمر سياسي، وإن تكن له تكييفات فتووية. ولستُ أقصدُ من وراء هذا كله إدانةُ هذا الطرف وتبرئة ذاك. وإنما الذي أَقصِدُهُ أن الحركة الدينية ممكنة، لكن الدولة الدينية غير ممكنة. ولذلك تتحول تلك الحركات ذات الهدف الدولتي إلى حركات سياسية قبل قيام الدولة أو بعدها. أما تلك التي تصرّ على طابعها الديني الطهوري أو الإحيائي، فإنها تنكمش أو تتهمش أو تنفجر عنفاً وإرهاباً. والثورة الإيرانية إنما كانت في البداية حركةً جماهيريةً عارمة ضد حكم الشاه، لكن عندما وصل الإمام الخميني إلى قيادتها، أوجد مبررات دينية لشرعية سلطة رجال الدين من خلال "ولاية الفقيه"، وبقيت الدولة إيرانية ووطنية، أما النظام فنشأ خليطاً من عناصر مختلفة، ولذلك انفجر مؤخَّراً في صراعٍ مكشوفٍ على السلطة منفصل عن حركة الجمهور ذات المنازع الدينية والسلطوية معاً أيضاً. وهناك فروقٌ في الأصل بين الشيعة والسنة في منزلة الفتوى في العمل، ومدى إلزامها. لكن الظاهرة الإسلامية الجديدة، والتي تجلّت في قيادات كارزماتية صارمة، أسقطت كل الفروق بين الطرفين لجهة إلزامية الفتوى. إذ صارت الخطابات والتوجيهات والأوامر، سواءٌ في الإلزام وضرورة الاتّباع لدى الطرفين. بيد أن المسألة في موضوع فلسطين تقع خارج نطاق الفتوى والاستفتاء إلى الحدود التي يبدو فيها التأمل والتكيف من وجهة نظر الشرع، سخريةً سوداء لا يجوز تعريضُ الشريعة أو الفقه لها. وأول من يعرف ذلك قادة "الجهاد" و"حماس"، فمن غير اللائق بعد كل ذلك النضال، وكل أولئك الشهداء، أن يُقبلوا على تقزيم المسألة إلى حدود توجه هذا الفقيه أو ذاك. ولله الأمر من قبل ومن بعد مع هذا الإسلام السياسي، الذي كلّف العرب أضراراً واستنزافات بسبب عمى البصائر والأبصار، لا تقل هولا عن أعباء وتكاليف الأنظمة الصنمية. لقد كان الصراع على فلسطين أمراً هائلا، وشارك فيه العالم كُلُّه، رجاءَ استيعاب المشكلة اليهودية، ورجاءَ حلَّها. بيد أنّ قيام الكيان الصهيوني على أرض فلسطين، ما حلَ المشكلة اليهودية، ولا تمكّنَ من إخضاع الفلسطينيين والجمهور العربي. لكنّ الحيرة سيطرت على الأنظمة وعلى الجمهور معاً. فقاتلْنا إسرائيل باعتبارنا دولا، ثم باعتبارنا عرباً قوميين، ثم باعتبارنا اشتراكيين، ومنذ أكثر من عقدين باعتبارنا إسلاميين نواجهُ الدولة الدينية اليهودية. والمشروع الصهيوني والديني مأزوم، مثل تأزم مشروعنا الإسلامي. ولذا فإنّ فتاوى الحلّ والحرمة لا تُخرجُ من المأزق، كما لم تُخرجْنا من قبل الحتميات القومية والاشتراكية والتحريرية: فالمستجير بعمرو عند كربته كالمتسجير من الرمضاء بالنارِ