الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ضاق ذرعاً بوزير الخارجية الإسرائيلي أفجيدور ليبرمان، ولم يحتمل تصريحاته ومواقفه العنصرية والمقززة... وطلب إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية نتانياهو تأنيب ليبرمان وطرده من الحكومة واستبداله بالوزيرة السابقة تسيبي ليفني. نتانياهو دافع عن وزيره، وقال لساركوزي إنه لطيف وفي الجلسات الخاصة يقول كلاماً مختلفاً فرد الأخير: "وجان ماري لوبن عندما يتحدث في الجلسات الخاصة يكون مختلفاً وأقل حدة". انتفض نتانياهو وقال: لا يمكن المقارنة بين الرجلين. فقال ساركوزي: أنا لا أقارن لكنني أعطي مثلاً. على من تقرأ مزاميرك يا ساركوزي؟ أعلى نتانياهو صديقك وهو الأكثر تشدداً وتطرفاً وعنجهية وعنصرية من ليبرمان؟ نتانياهو الذي هدد يوماً بإحراق واشنطن إن هي ضغطت عليه! وإذا كان ساركوزي لم يعد يطيق ليبرمان، فماذا عن الفلسطينيين؟ ماذا عن العرب؟ ماذا عن المسلمين؟ ماذا عن دعاة التسوية والاعتدال والحل وعن المتمسكين بحقوق الفلسطينيين؟ وإذا كان ساركوزي يبدي خوفاً على التسوية من أمثال ليبرمان، فماذا أيضاً عن العرب وعن الفلسطينيين تحديداً؟ وما هي ردود الفعل على كلامه في داخل إسرائيل؟ لقد تجلت في موجة غضب واستنكار واعتبار موقفه تدخلاً من قبل دولة ديمقراطية في الشؤون الداخلية لدولة ديمقراطية أخرى! أن يلغي الإسرائيليون شعباً.. يصادرون أرضه ويستمرون في ارتكاب المجازر ويتمسكون بمشروع الدولة اليهودية الواحدة، فهذا من وجهة نظرهم احترام لحق شعب آخر هو الشعب الفلسطيني. أما أن يخرج مسؤول دولي أو رئيس دولة وينتقد ممارسات عنصرية إسرائيلية فهذا تدخل في الشأن الداخلي الإسرائيلي! والمسألة ليست فقط مسألة تصريحات، فالرئيس ساركوزي قدّم نفسه علانية انه صديق لإسرائيل ويعّتز بعلاقته الحميمة بصديقه رئيس الحكومة الإسرائيلية وراهن على إمكانية لعب دور لتحقيق تسوية في المنطقة. وساهم في التشجيع على المفاوضات السورية – الإسرائيلية، ولو من خلال تركيا وعلى مواكبتها، مؤكداً الالتزام بالمصالح الإسرائيلية، هذا الرجل نفسه فوجئ بصلف وحقد ووحشية وزير الخارجية الإسرائيلية ليبرمان وبإصرار المسؤولين الإسرائيليين على ارتكاب كل الحماقات والانتهاكات وممارسة كل الضغوطات على الفلسطينيين، فبات الجميع يشعر بالخطر وبات الأمن والاستقرار في المنطقة كلها مهددين. خرج ساركوزي ليطالب بوقف الاستيطان وتطابق موقفه مع الموقف الأميركي لأن التوسع لم يعد يطاق. فكان جواب الإسرائيليين: "لن نوقف الاستيطان. ثمة اتفاقات وقعّت مع الإدارة الأميركية السابقة نعتبرها اتفاقات مع الولايات المتحدة. وأرفقت هذه الاتفاقات الخطية باتفاقات شفوية ملزمة أيضاً، وهي تسمح بتنفيذ أعمال بناء في المستوطنات". وأضافوا: "وافقت إسرائيل عام 2003 على خريطة الطريق بعدما أضافت 14 تحفظاً عليها، وهذه التحفظات تشكل جزءاً من اتفاق أوسع. قسم منه خطي وقسم آخر شفوي، وطبق طوال ست سنوات بالتنسيق مع الإدارة الحاكمة في الولايات المتحدة"! مما يعني، أنهم سيستمرون في البناء والتوسع ومصادرة الأراضي، وهذا بالفعل ما يقومون به. وثمة خطر حقيقي على القدس كل القدس. وعلى المقيمين في الأراضي المحتلة أكثر من أي وقت مضى. مصادرة الأراضي مستمرة وما تغير هو شيء واحد. كانت الجرافات الإسرائيلية تأتي لتهدم بيوت الفلسطينيين. اليوم يطلب الإسرائيليون من الفلسطينيين هدم بيوتهم بأنفسهم! نعم، الشعار الإسرائيلي: "اهدموا منازلكم بأيديكم". فهل ثمة حقد وإذلال أكثر من ذلك؟ هل ثمة إرهاب نفسي وقهر أكثر من ذلك؟ كيف يمكن أن يوافق أي فلسطيني على تسوية أو اتفاق مع إسرائيل؟ ماذا سيولد في أذهان الأطفال الفلسطينيين إذا ما تطلعوا إلى أمهاتهم يذبحن أو يعذبن أمامهم؟ وإذا ما تطلعوا إلى آبائهم يذلون أمامهم؟ وإذا ما نظروا إلى أشقائهم وشقيقاتهم يقتلون؟ وإذا ما شاهدوا أهلهم يهدمون منازلهم ويرحلون عنها والإسرائيليين يجرفون مزروعاتهم؟ لن يكون داخل هؤلاء إلا الغضب، ولن يكون رد الفعل إلا بالسلاح وكل الوسائل المشروعة للدفاع عن النفس. ومن هذا المنطلق، فإن الشعار الإسرائيلي المذكور كفيل وحده بالتسبب في مواجهات وفي خلق موجات عنف لن تتوقف. وفي ظل هذا الجو، تتوالى جلسات الحوار الفلسطيني – الفلسطيني دون الوصول إلى نتيجة. ويستمر الفلسطينيون في تهديم الهيكل الجامع لهم. وتستمر غزة في معاناتها. فالصلوات تقام في مساجد مؤقتة بنيت من البلاستيك في ظل طقس حار ورمضان المبارك على الأبواب. والقضية الفلسطينية تحولت إلى قضية إنسانية والمطلوب تقديم مساعدات غذائية لشعب يجوع وهو محاصر. والذين انتصروا لا يعرفون ماذا يفعلون. بل يتطلعون اليوم إلى حوار مع أميركا وأعلنوا استعدادهم له. فهل يمكن البقاء في هذه الدوامة؟ إن الإخوة الفلسطينيين مطالبون قبل غيرهم بالعودة إلى مؤسساتهم وتحقيق الحد الأدنى من التفاهم بينهم على أساس أن لهم عدواً واحداً له مشروع واحد يستهدفهم جميعاً. ولن يوقف هذا المشروع ولن تكون تسوية إلا بالوحدة الفلسطينية أولاً وأخيراً. فلا أحد يستطيع تجاوز مصالح وحقوق الشعب الفلسطيني، لكنّ كثيرين ينكفئون ويسألون: هل لا يزال هذا الشعب يعرف مصالحه، ويعرف كيف يدافع عن حقوقه؟ ومن يعبّر عن هذه المصالح والحقوق؟ قد تكون اللحظة الإقليمية الراهنة مؤاتية فعلاً لإعادة صوغ موقف فلسطيني موحدّ يؤكد استقلالية القرار الفلسطيني، ولو إلى حدود معينة، ولا بد من التقاط هذه اللحظة وعدم تفويت الفرصة وترك كل الدول تحقق مصالحها وتدخل ملعب المفاوضات والمناورات وأسواق وبازارات البيع والشراء، ويتم كل ذلك على حساب الشعب الفلسطيني وقضيته! أيها الفلسطينيون: عمّروا بيتكم بأنفسكم، احموا بيتكم بأنفسكم، خذوا قراركم بأنفسكم، حافظوا على قضيتكم بأنفسكم.