على ضوء مقتل الرهائن الغربيين المختطفين في اليمن على أيدي خاطفيهم، الذين يعتقد أنهم ينتمون إلى جماعة الحوثي والقبائل المتعاونة معها، يبرز أمامنا سؤال حول ما الذي يمكن فعله للقضاء على هذه الجماعات؟ وما هي الطرق التي يمكن من خلالها إنهاء التعاون بينها وبين القبائل؟ وبالتأكيد أن القضاء على الجماعات الإرهابية كـ"الحوثيين" من شأنه أن يقطع منابع الدعم المالي الذي تحصل عليه القبائل منها. ولكن السؤال الخاص بـ"كيف يمكن إلحاق الهزيمة بالحوثيين؟"، تصعب الإجابة عنه. والمسألة الأكثر أهمية هي التوصل إلى تحديد الطريقة التي يمكن من خلالها إقناع القبائل بأن تصبح غير راغبة أو غير قادرة على التعاون معهم في الوقت الذي ينشط فيه "الحوثيون" بقوة. قد يكون التدخل العسكري ضد القبائل التي تتعاون مع "الحوثيين" هو الوسيلة التي تجعلها غير قادرة على الاستمرار في التعاون معهم، ويمكن القيام بذلك إما من قبل القوات المسلحة اليمنية، أو من قبل قوات خارجية تقوم بتنفيذ عملياتها بالتعاون مع القوات اليمنية، لكنّ أياً من نمطي التدخل سيواجه عقبات جمة أهمها الرفض الشعبي اليمني لأي نوع من التدخل العسكري في مناطق القبائل، خاصة الخارجي. ونظراً لوعيها الشديد بذلك، لم تسمح الحكومة اليمنية حتى الآن بالتدخل الخارجي بشكل موسع. وقد تبرز معارضة شديدة في وجه أي حضور عسكري أجنبي في أوساط القوات المسلحة اليمنية، مما قد يتسبب في مشاكل داخلية. ونظراً لأن منهج التدخل الخارجي يحمل ضمناً مخاطر جدية، فمن المنطقي تبني خطة غير عسكرية لإنهاء تعاون القبائل مع "الحوثيين"، ومنهج من هذا القبيل تفضله القبائل؛ لأنها تريد من العالم الخارجي والحكومة اليمنية التنافس على كسب ولائها ومنحها مزيداً من الموارد. لكن الحكومة والأطراف الخارجية عازفون عن تبني هذا المنهج لعدة أسباب. فأولاً، قد يُفسر ذلك بأنه مكافأة لكلا الأمرين الإرهاب والابتزاز، وإذا ما أيقنت كافة القبائل بأن التعاون مع "الحوثيين" سيؤدي إلى الحصول على موارد من الحكومة اليمنية والعالم الخارجي بهدف منعه، فإنها ستتبناه كمنهج وتكتيك، وهو أمر لا يشاء أي طرف تشجيعه. ثانياً، لا توجد ضمانات بأن يوقف شيوخ القبائل المتلقين للدعم الحكومي والخارجي تعاملهم مع "الحوثيين". والواقع أنهم من المحتمل إجراء حسابات بأن ارتباطهم بـ"الحوثيين" سينتج عنه تلقي المزيد من الدعم. ثالثاً، حتى وإن قام شيوخ القبائل الذين يتلقون الدعم بوقف تعاونهم مع "الحوثيين"، فإن الطبيعة اللامركزية للتحالفات القبلية في اليمن تعني أن التعامل مع بعض شيوخ القبائل لا يلزم الشيوخ الآخرين. رابعاً، الحكومة اليمنية تخشى من أن الجهود المبذولة من الخارج لدعم القبائل ستؤثر على وضعها كسلطة مركزية شرعية؛ لأن القبائل ستصبح أكثر استقلالاً اقتصادياً ومالياً عن العاصمة والحكومة المركزية. في أحسن الأحوال، يُعتبر تقديم المساعدات للقبائل لإنهاء تعاونها وإيوائها لـ"الحوثيين" حلاً قصير الأمد. وحتى وإن كان للدعم الخارجي التأثير المطلوب، فإن من المتوقع له أن يدوم طالما أن المساعدات مستمرة، فإذا توقفت أو لم تصل إلى المستوى الذي تطلبه القبائل، فإن رغبتها في عدم التعاون مع "الحوثيين" ستتوقف أيضاً، أما منهج الحل طويل الأمد لإنهاء تعاون القبائل مع "الحوثيين"، فإن من شأنه التركيز على إنهاء تظلمات وشكاوى القبائل ضد الحكومة المركزية، فإذا استعاد شيوخ القبائل الذين تم إقصاؤهم عن مراكز السلطة في فترات سابقة لمواقعهم الأصلية أو مراكز شبيهة بها، وإذا ما أُعطيت القبائل المقصية تمثيلاً أكبر في مؤسسات الدولة وفي النظام السياسي وسيصبحون غير راغبين في رؤيته ينهار أو حتى يتم تجاوز سلطته وقراراته. ومن جانب آخر، يمكن ممارسة الضغوط على شيوخ القبائل، فالبنية القبلية اليمنية ذاتها تسمح بمعاتبة شيوخ القبائل الذين يستمرون في دعم "الحوثيين"، فالتحالفات القبلية غير متراصة وغير متحدة، ويمارس الشيوخ القبليون قدراً متفاوتاً من الاستقلالية، وربما أن قبائل الشمال تنظر إلى الحكومة المركزية كمنافس رئيس لها على السيطرة والنفوذ في مناطقهم. وفي المجمل، لا يجب توقع أن تؤدي الجهود التي تبذل إلى إنهاء سريع وكامل لتعاون القبائل مع "الحوثيين"، ولكن مع مرور الوقت يمكن لها أن تقل منها بشكل ملحوظ ربما إلى درجة يصبح معها "الحوثيون" ذاتهم مقتنعين بأن تعاون القبائل معهم لا يحقق مصالحهم القصوى. لكن وضع هذا المنهج موضع التنفيذ سيحتاج إلى ضخ موارد مجزية إلى شيوخ القبائل الذين يرغبون في العمل مع السلطة المركزية والعالم الخارجي على أسس مستمرة، وإلى تعامل دبلوماسي مكثف من الخارج مع الحكومة المركزية على صعيد يعتبر شديد الحساسية، وإلى معرفة عميقة ومفصلة بالسياسات القبلية من قبل العناصر الخارجية، خاصة المسؤولين عن إدارة هذا النوع من البرامج.