من واقع الامتحانات، التي مرت بسلام على البعض واصطلى بنارها الآخر، جلس أحد الآباء يراجع مع أبنائه في فترة الامتحانات ويساعدهم على الاستذكار والمراجعة، شأنه في ذلك كبقية الآباء، لكن صاحبي هذا كان له عقل ناقد، وهو يقوم بمهام دوره كأب. أولاده يدرسون في مدرسة خاصة تنفذ مناهج وزارة التربية والتعليم في اللغة العربية والتربية الإسلامية والاجتماعيات. أما العلوم والرياضيات واللغة الإنجليزية، فهي مناهج عالمية مستوردة من الولايات المتحدة الأميركية، قال صاحبنا بعد أن استمتعت بمراجعة مناهج العلوم مع الأبناء لما فيها من صور ملونة وأمثلة تتلمس حاجات التلميذ ومناسبة للمرحلة العمرية التي هو فيها، واللغة السلسة المستخدمة، بل حتى نوعية الورق الفاخر الذي يلزمك بالحفاظ على الكتاب فور الانتهاء منه، كي يكون مرجعاً للأسرة، انتقلت بعد ذلك إلى المناهج العربية -يقول صاحبي- وهنا أحسست إحساساً غريباً. فجأة وقع في ذهني أنني انتقلت من مشاهدة فيلم أميركي حديث من إنتاج هوليوود بإمكاناتها الفنية وميزانياتها الضخمة، إلى فيلم عربي تقليدي بالأبيض والأسود. فخطر في بالي من يرغب اليوم في متابعة الفيلم العربي الأبيض والأسود ويفضله على الأفلام الأميركية رائعة الإخراج والتصوير... هذا هو ملخص رأي ولي الأمر في المناهج. وبالرغم من كونه غير متخصص في التربية والتعليم، فإنه أجاد في رسم الصورة المجازية لواقع المناهج التعليمية لدينا. المناهج هي الوسيلة التي تحول الأهداف التربوية إلى خطط واقعية، وتأتي طرق التدريس كالروح التي تنفث في الجسد كي تدب فيه الحياة. والطلاب والمعلمون، في نهاية الأمر، تدور حياتهم اليومية حول المناهج التعليمية التي بين أيديهم، وبمدى تمكن القائمين على المناهج التعليمية وتخصصهم في تنفيذ متطلبات المناهج التي ينفذونها بالقدر الذي ينجح المعلم في القيام بدوره ويستفيد المتعلم ويستمتع بالعملية التعليمية اليومية. قد لا يقدر البعض أهمية الإتقان في إخراج الكتب الدراسية من البعدين الأساسيين وهما المحتوى ومتطلباته والإخراج الفني وأدواته. الرسالة التربوية تصاغ عبر المحتوى الذي ينبغي أن يكون مناسباً لعمر المتعلم، فإن كان المحتوى يخاطب عقلًا أكبر من سن المتعلم كان في ذلك تعجيزاً له وإرهاقاً لمعلمه. وفي نهاية الأمر، يفشل المدرس في القيام بدوره، ويرسب المتعلم في مادته، وإن لم يصل إلى مرحلة الفشل، فإنه يخسر أكبر من ذلك، وهو كراهية التعلم والمعرفة. كل هذا لعدم مناسبة المحتوى لعقل المتعلم، ومن أراد الشواهد فليقرأ كتب التربية الوطنية والاجتماعيات لدينا، فهي لا تعزز حب الوطن بقدر ما تجعل المتعلم يكره هذه المادة. والأمر نفسه ينطبق على مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية لكثرة الفرعيات والمعلومات والمهارات التي يراد تحقيقها. وهنا تكون الطامة عندما يكره الأبناء مواد الهوية الوطنية في مجتمعه. لو رجعنا للأفلام مرة أخرى، لرأينا أن الفيلم الأميركي يكلف ملايين الدولارات كي يصل إلى المشاهد في جميع أنحاء الكرة الأرضية، لكن الملايين التي تنفق لإنتاج الفيلم الواحد تكون أرباحها خيالية؛ لأن جودة المنتج تجعله مطلوباً في كل مكان، ويحرص ملايين البشر على متابعته، على عكس الفيلم العربي، الذي لا يكلف إلا القليل. لكن يشاهده عدد أقل من الناس، مما يجعله فيلماً متواضعاً في كلفته وربحه، كذلك التعليم، فمن كان يعتقد أن التعليم الجيد غير مكلف، نقول له ستجني نتائج لا تتوقعها، وهي أقرب إلى الخسارة منها إلى الربح. لكن أغدق على التعليم من الميزانيات، كي تنتج مناهج عالمية وأبشر بنتائج هذه العلمية. اقتصاديات التعليم فُهمت خطأً في المجتمع العربي، فقد فسرها البعض بالتقشف في ميزانية التعليم، كي نوفر على الحكومات الشيء الكثير. وكانت النتيجة جيلاً بحاجة إلى غرف إنعاش طوال حياته، فالتعليم الجيد مكلف لكن نتائجه على المدى البعيد مربحة.